طالعتُ مرةً في كتاب  حكايات عن بعض علماء الطَّبيعة، أولئك المشتغلون بالفيزياء والكيمياء والرِّياضيات، أي بتلك العوالم التي توصف بأنَّها جافَّة بالمقارنة مع عوالم الشِّعر والأدب، لكنْ المدهش أنَّ الحديث دار في الكتاب عن العوالم الدَّاخلية للكثير منْ هؤلاء، وبينهم بالمناسبة أينشتاين، لنجد أنَّها عوالم تضجُّ بالحنان واللطف والخجل.
سنفاجىء - للوهلة الأولى على الأقل - حين نجد لهؤلاء صورة نقيضة للصُّورة القارَّة في أذهاننا عن عالم الرِّياضيات والفيزياء الذي إما يشتغل بالأرقام أو يقضي الليالي في المختبرات، وكان اينشتاين قدْ قال مرةً إنَّه فاشل في التَّعبير بدقَّة تامَّة عنْ أفكاره وعالمه الدَّاخلي، ما يصعِّب مهمة أيِّ كاتب آخر يرنو لكتابة سيرة هذا العبقريّ الذي يوصف بأنَّه صاحب أعظم دماغ في التَّاريخ الإنسانيّ، لكنَّنا سنكتشف أنَّ اينشتاين أبعد ما يكون عن الصَّرامة والتَّجهم. إنَّه – بالطبع - كأيِّ عالم حقيقيّ مسكون بالشَّك، لكنَّه الشَّك الهادىء الحزين، لرجل يجمع بين الرِّقة والذَّكاء. أحد مريديه قال إنَّه لم يتعلَّم منه في مجال الفيزياء فحسب، وإنَّما تعلَّم الحنان أيضأً.
"أحلام اينشتاين" –  رواية صغيرة كتبها ألن لايتمان، وهو للدَّهشة عالم فيزياء مثله مثل أينشتاين، وضع كتباً وصاغ أفكاراً مهمَّة في الفيزياء، ولم يسبق له أنْ كتب رواية، ولكنه - مأخوذا بالكشف العظيم الذي قام به أينشتاين - أراد تقصِّي الظُّروف التي قادت معلِّمه لاكتشاف نظريَّته، فوضع هذه الرِّواية العميقة في مضمونها الفلسفيّ، للدَّرجة التي جعلت النُّقاد والأوساط الأدبيَّة والثَّقافيَّة والأكاديميَّة في الغرب تحتفي بها.  
تدور أحداث الرواية في عام 1905 في مدينة بيرن السويسريَّة، وبطلها هو ألبرت اينشتاين نفسه الذي كان يكابد - وهو شاب  للوصول إلى نظريته حول النِّسبيَّة. 
في مكان ما من الرِّواية جاء التالي: "ثمَّة مكان يقف فيه الزمن ساكناً.  قطرات المطر معلقة في الهواء بلا حراك.  تتدلى الساعات في المنتصف كمسافر يتحرَّك متباطئاً أكثر فأكثر ليدنو من هذا المكان من أيَّة جهةٍ كانت".  
عندما سئل أينشتاين كيف توصَّل إلى هذه الاكتشافات العظيمة؟ أجاب: "لم أكن قد فقدت بعد مرح الطُّفولة وطبيعة تساؤلاتها، كذلك لمْ أكن قد فقدتْ رهبتها وروعتها عن رؤية الأشياء الغربية".. هذه الشُّحنة من النَّقائض بين الطُّفولة والحكمة، بين العقل المتَّقد والجنون والمشاكسة خلقت أعظم عقل في القرن العشرين. 
في أساس العلم تكمن العواطف النَّبيلة، وهذا ما نجده في سيرة كتاب آخرين انشغلوا - كما اينشتاين بالحساب والأرقام وظواهر الطَّبيعة، لكنَّهم كانوا يكتبون الشِّعر مثلاً، أو أنَّهم كانوا مدمنين على قراءته أو قراءة الأدب بشكل عام، كأنَّ هناك منطقة أخرى مخفيَّة في ذواتهم لمْ تفصح عنْ نفسها بصورة كافيةٍ لانشغالهم في حقول أخرى أبعد عن الشَّعر والأدب. ونحن نعرف - حتى في الحياة العربيَّة - العديد من الأطباء المرموقين الذين يكتبون الشِّعر أو القصة القصيرة أو الرِّواية، وغالباً ما تفيض كتابات هؤلاء بالحسِّ الإنسانيّ المرهف؛ لأنَّ الطبيب كإنسان فيه شيء من رهافة الشَّاعر، بسبب تماسه اليومي مع آلام البشر وعذاباتهم. حتى دراسات علم النَّفس التي ينشرها أطباء ممارسون تقترب من الأدب في أحوال كثيرة؛ لأنَّها - شأنه - تستقي مادتها من الحياة، ولأنَّها،- مثله - تلج إلى أعماق النَّفس البشريَّة.
ويبدو كارل ماركس مؤلِّف الكتاب ذائع الصِّيت في الاقتصاد: "رأس المال"، نموذجاً يعتدُّ به في هذا المقام، فرغم أنَّه لمْ يكن شأن علماء الطَّبيعة يقضي وقته في اختبار فرضيّاته في المختبرات، لكنه اشتغل في حقل معروف هو الآخر بجفافه وعدم جاذبيَّته لغير المختصِّين، وهو حقل الاقتصاد والأرقام، لكنَّنا- في المقابل - سنجد أنَّ كاتباً اسمه س. س. بورير ألفَّ كتاباً يقع في مئات الصَّفحات خصَّصه للمراجع الأدبيَّة في كتابات ماركس. 
فمثلاً جمع المجلد الأول لـ"رأس المال" اقتباسات من الإنجيل وشكسبير وغوته وميلتون وفولتير وهومر وبلزاك ودانتي وشيلر وسوفوكليز وأفلاطون وثيوسيديدس وزينوفون وديفو وسيرفانتس ودرايدن وهاين وفيرجيل وجوفينال وهوراس وتوماس مور وصمويل بتلر، إضافة إلى إشارات لحكايات الرُّعب والرِّوايات الرُّومانسية الإنجليزية والمدَّائح والأغنيات والميلودراما والمسرحيَّات الهزليَّة والخرافات والأمثال الشَّعبيَّة، فكان الرَّجل يبحث لدى الشُّعراء والرِّوائيين - أكثر من بحثه لدى الفلاسفة أو الكتَّاب السِّياسيين- عن الرُّؤى العميقة حول مصالح البشر ودوافعهم الماديَّة.
يمكن أنْ نصف هذا النَّوع من الكتابة بالحنون، حنون في حبها للنَّماذج التي تحكي عنها، وحنون في علاقتها مع القارىء الذي يجد فيها شيئاً من ذاته، وهي نقيضة للكتابة الغليظة، البليدة، العدوانيَّة، عسيرة الهضم، وتبدو كتابات هؤلاء المنتسبة إلى فضاءات غير أدبيَّة وغير شاعريَّة أكثر حناناً وإنسانيَّة ورحابة ومتعة من الكتابات الغليظة لبعض الأدباء التي تُسود الصفحات، وتجلد القرَّاء، فلا تضيف متعة ولا فائدة، لكنَّها تزيد الأوضاع المحتقنة احتقاناً، وتزرع البغضاء بدل بث روح التَّسامح.
يتعيَّن التَّفريق بين الكُتَّاب وبين الكَتبة. لا نحسب من الصَّائب أنْ نطلق وصف الكاتب على كل من امتهن الكتابة، ومنْ يلقي نظرة على ما ينشر في الصَّحافة السَّيارة تصادفه نماذج من كتابات يصعب تصنيفها في خانة الكتابة، حين يستعيض أصحابها عن المعرفة بالادِّعاء، وعن التَّحليل الهادئ المنطقي بالسُّباب والشَّتائم. ومنْ جوْر الزَّمن أنْ نجد الكثير من هؤلاء باتوا نجوماً، لا لملكات إبداعيَّة يمتلكونها، وإنِّما لبراعتهم في ركوب الموجات، وما أكثرها!