تطرقت أولى جلسات المنتدى الاستراتيجي العربي إلى استشراف المستقبل الاقتصادي العالمي في العام 2016، حيث استضافت الدكتور لورانس سامرز، وزير الخزانة الأمريكي السابق والدكتور نورييل روبيني، بروفسور الاقتصاد في جامعة نيويورك.

وتوقع نورييل روبيني أن تكون هناك مشاكل في التعامل مع التضخم وانخفاض أسعار النفط ولم يتوقع تراجع التضخم إنما توقع عدم ارتفاعه.  وقال أن هناك تراجعاً حاداً في النمو في الأسواق الناشئة بسبب قلة الابتكار وأسباب أخرى مشيراً إلى أن التعافي في الاقتصادات المتقدمة بدأت بوادره في أمريكا وانتقل إلى أوروبا ونراه في الأسواق الناشئة ولكن نسب النمو المحتمل في تراجع، مضيفاً أن السياسات النقدية الحالية لا تزال غير معتادة عما كان العالم يشهده سابقاً مثل اعتماد المصارف المركزية فائدة تقترب من صفر بالمئة وهو ما لم يكن موجوداً قبل.

وحول النمو العالمي توقع روبيني أن العالم لا يبدو أنه سيتجاوز مرحلة النمو الضعيف حيث سيستمر النمو ضعيفاً نسبيا مع انخفاض لأسعار الفائدة وبالتالي سنرى أن السياسات النقدية المعتمدة حالياً ستستمر.

ومن جانبه قال لورانس سامرز أن هناك توجهاً عالمياً يتمثل في الميل إلى الادخار أكثر من الاستثمار وتعمل الاقتصادات الناشئة في مراكمة الاحتياطات وهو الحال في الكثير من شركات القطاع الخاص الكبرى مثل آبل أو غوغل التي لديها الكثير من النقد لا تستثمره بينما من جهة أخرى هناك قوة عاملة متعاظمة يجب العمل على توظيفها.

وأكد أن العالم كان يمر بحالة من الفوضى المالية وعلينا تجاوز التحدي المتمثل في الادخار المتزايد وضعف الاستثمار وهي حالة ستبقى موجودة ولن تتبدد السنة المقبلة. وكانت هذه المشكلة موجودة حتى قبل الأزمة الاقتصادية ففي الفترة بين 2003 و2007 كان هناك نمو جيد وكان هناك تساهل كبير في معايير الاستدانة وحصلت فقاعة في مجال السوق العقاري وأشار إلى أن ما تفعله المصارف المركزية هو أنها تقوم بما يتوجب القيام به لمواجهة الواقع وليس رغبة منها في تجريب سياسات نقدية جديدة إنما كي تستجيب للتباطؤ الناتج عن التباين بين الادخار والاستثمار.

وبدوره قال روبيني أن العالم على شفير ثورة تكنولوجية ستؤدي إلى ارتفاع كبير في الانتاجية وخاصة في قطاعات تكنولوجيا الطاقة الجديدة والتكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا الإعلام والتواصل الاجتماعي والتكنولوجيا التصنيعية مثل الروبوتكس (التصنيع الآلي) والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والابتكار فيها والتكنولوجيا الدفاعية. هذه القطاعات سيكون لها أثر كبير في رفع مستوى المعيشة فعند الحصول على الطاقة الشمسية الرخيصة مثلاً سنحصل على المياه بشكل أسهل وهو ما سيساهم في حل مشاكل الغذاء وسيؤدي إلى تشكيل عالم جديد.

وحول التوقعات بشأن قوة الدولار قال روبيني أن الدولار سيستمر في الصعود في العام المقبل، وستستمر البنوك الأمريكية في سياساتها بينما ستضعف العديد من الاقتصادات الناشئة وربما تضعف عملات كندا وأستراليا بالإضافة إلى أن بعض الاقتصادات الناشئة الهشة ستصبح أكثر ضعفا. وتوقع المزيد من التعزيز للدولار الأمريكي ولكن الاحتياطي الفدرالي يعرف أن هناك مصارف مركزية أخرى ستتبع سياسات تسهيلية لذلك سيحرص أولا أن لا تكون وتيرة التطبيق هذه سريعة.

وحول الوضع المالي قال سامرز أنه يجب صرف النظر عن فكرة العودة إلى الوضع الطبيعي فالحال الطبيعي تغير ونسب الفوائد التي كانت مناسبة في السابق لم تعد مناسبة حالياً لتأمين النمو بنسب معقولة لذلك على المصارف المركزية أن تلغي فكرة أنها يجب أن تعود إلى نسب الفوائد التي كانت سابقاً، يجب العمل على اتخاذ خطوات ترفع من مستوى الطلب مثل الاستثمارات والاستهلاك. وتحدث عن أهمية الاستثمار في البنية التحتية مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تستثمر في البنية التحية أقل مما كانت تفعل في عام 1947 مع العلم أن البنية التحتية بحاجة لتطوير ونسب الفوائد منخفضة وهناك العديد من العاطلين عن العمل ممن يمكن إيجاد فرص عمل لهم في أعمال تطوير البنية التحتية

وقدم مثالاً آخر عن الهند قائلاً: رغم أن الهند تنمو بشكل كبير إلا أنه يصعب تأسيس الشركات والأعمال فيها ولو أن الحكومة سهلت عمليات الاستثمار وتأسيس الشركات لكان لذلك أثر كبير على الاقتصاد الهندي والعالمي. وخلص إلى أن الحلول تختلف من دولة إلى أخرى وكذلك السياسات النقدية وقال أن الأنماط المعتادة للسياسات الاقتصادية لم تعد قائمة وهناك أجندات بناءة يمكن اتباعها وتحدث فرقاً بشكل إيجابي.

من جانبه وافق روبيني على أهمية الاستثمار في البنية التحتية ولكن باستثناء الصين التي بالغت في هذا المجال، معطياً مثال اليابان التي هي في حاجة ماسة لتطوير البنية التحتية ومشيراً إلى ضرورة ضخ الاستثمارات  وخاصة بالشراكة بين القطاع العام والخاص مما شأنه أن يزيد الطلب وعلى المدى الطويل ومن شأنه أن يرفع من احتمال نمو الاقتصادات وخاصة الناشئة، وقال أن التراجع في الاستثمار يفرض علينا رفع مستوى الإنتاجية.

وحول السياسات المالية والمصرفية والاقتصاد قال لورانس سامرز أن النظام المالي لم ولن يكون كاملاً أو مثالياً فقد كان هناك نظام مالي أدى إلى انهيار السوق المالي عام 1987 وانهيار السوق الياباني والأزمة المكسيكية وانهيار النمور الآسيوية وفقاعة الإنترنت وشركات دوت كوم والأزمة الاقتصادية العالمية 2008. هذا النظام المالي الذي يفترض أن يوازن المخاطر ويشاركها زاد المخاطر مما أدى إلى تدمير أرزاق عشرات الملايين من الأشخاص حول العالم.

وأضاف أنه يتوجب القيام بإصلاحات كبيرة وأن التوجه العام جيد في هذا الشأن إذ يجب أن تكون المؤسسات محمية أكثر ليكون لديها مناعة من خلال رأسمال أكبر واحتياطي نقدي أكبر. فالمقاربة العامة المتبعة صحيحة والوضع اليوم أقل هشاشة مما لو لم يتم اتخاذ تلك التدابير، بالمقابل هناك قوانين وتشريعات جديدة كان لها أثر عكسي.

وحول توقعاته بالنسبة للصين قال روبيني أن السوق كانت ترى أن الصين ستحقق نمو بنسبة 7% ولكن تبين أن ذلك غير واقعي وبسبب ذلك سيكون هناك تراجع في قيمة العملة الصينية. وتوقع أن النمو في الصين في تباطؤ وطريقهم سيكون صعباً ومع نهاية العقد قد يبلغ مستوى النمو في الصين 5 % ولن تضطر الصين لخفض قيمة عملتها.

وقال أن تأكيد المسؤولين الصينين على أنهم سيحافظون على نمو بنسب 6 و 7 بالمئة غير واقعي فذلك لا يتم إلا باستثمارات سيئة بتباطؤ اقتصادي. وحول الديون الصينية فقال أنها ديون محلية، وهي كلها تعود إلى الحكومة المركزية والمحلية والمؤسسات والمصارف المملوكة من الدولة. تمتلك الصين 3.6 تريليون دولار من الاحتياطي النقدي الأجنبي وهو ما يوازن وضعهم الاقتصادي لذلك لا يتوقع انخفاض حاد في قيمة العملة أو حالة هبوط أو ركود.

ومن جانبه قال سامرز أن ما حققته الصين خلال ال 35 سنة الفائتة مثير للإعجاب بكافة المقاييس فالنمو الكبير والسريع والمستمر لم يكن له مثيل في أي دولة أخرى وهو ما جعل المجتمع بأكمله ينتقل إلى مستوى رفاهية أفضل خلال جيل واحد وخاصة عندما ننظر إلى عدد السكان الهائل. ولكن سامرز ينظر إلى الصين ببعض القلق، رغم أن الاستدانة لن تؤدي إلى ركود عالمي لأن الدين الصيني داخلي ولكن الاقتصاد الصيني قد يواجه صعوبة في المحافظة على مستويات التوظيف ولا يمكنهم اتباع نفس الاستراتيجية في المستقبل وكلما طال الأمر صعب التكيف في المستقل. فهناك مسائل أساسية تتجاوز المواضيع المالية فالقوى العاملة بدأت بالانكماش بسبب تغير الهرم العمري ومع أنهم عدلوا سياسة الطفل الواحد إلا أنن يكون لذلك أثر في المستقبل القريب وقال أن ما دفع الاقتصاد الصيني خلال العقود الماضية هو تغيير نموذج الإنتاج من إنتاجية زراعية منخفضة إلى إنتاجية حضرية عالية ولذلك إمكانية الاستمرار في النمو السابق غير ممكنة. وخلص إلى أن الصين ستسمر في النمو إنما ليس كما يتوقع لها.

وقال سامرز أن آثار الركود الذي كان موجوداً ستبقى للسنوات القادمة وأن الأزمات غيرت الاقتصاد العالمي ورغم أن العالم ليس في ذات مرحلة 2008 و 2009 ولكنه لم يعد إلى الحالة الطبيعية وسيستغرق الأمر فترة طويلة. وشدد على أهمية إيجاد حالة من التمويل المبتكر والشراكات بين القطاع العام والخاص وخفض المصاريف والتكاليف الحكومية والمحاسبة الحسابات الدقيقة فضلاً عن تحديد الأولويات وعدم تأجيل المشاريع الكبرى بحجة الدين.

وأعرب سامرز عن فخره بهذه الفرصة للحديث من هذا المنبر حيث أن ما تحقق في الإمارات يظهر كمثال إيجابي ومنارة أمل في هذا الوقت الذي تتعرض فيه دول الشرق الأوسط لأزمات حادة.  وأشاد بدبي التي يرى فيها مع كل زيارة المزيد من البنيان والعمران والمزيد من بناء العلاقات العالمية وقال أنها في طريقها لتكون مدينة محورية عالمية في المنطقة.

وإجابة على سؤال حول ما يجب فعله من قبل الحكومات مستقبلاً قال أن الأمر يختلف من حكومة لأخرى ولكن يتوجب على الحكومات أن تخطط لكافة الطوارئ المحتملة، فليس من الحكمة أن تضع الحكومات ميزانياتها المستقبلية مع إغفال كون احتمالية سعر برميل النفط تحت 50 دولار إذ يجب أن يكون لديها خطط تفترض الأسوأ.