هل فكرتم يوماً بإمكانية السفر عبر الزمن؟ لعلكم ستدركون إذا مررتم في منطقة "قلب الشارقة" أن هذا الأمر ممكن.. ليس بالمعنى الحرفي، بل من منظور افتراضي، حيث لا يسع الإنسان إلا أن يتخيل كيف كانت حياة الأجداد الذين استوطنوا في قلب إمارة الشارقة أو مروا يوماً من هذا المكان، الذي كان شاهداً على ازدهار الحياة والتجارة في الإمارة منذ أمد طويل.
 

هناك الكثير من المواقع التراثية والتاريخية حول العالم، التي بقيت ماثلة للعيان إلى يومنا هذا، واستطاعت أن تظل صامدة رغم مرور مئات الآلاف من السنين، والتي تم اكتشافها وتجديدها لتمنحنا إطلالة على هذا التاريخ، وفهماً أفضل لحاضرنا ومستقبلنا، وتعدُ منطقة "قلب الشارقة" إحدى أهم المعالم التراثية لإمارة الشارقة باعتبارها محوراً مهماً للتجارة، حيث كانت ملتقى للتجار ووجهة نابضة بالحياة الاجتماعية في الإمارة، ولهذا السبب جاء إطلاق مشروع تطوير "قلب الشارقة" للحفاظ على الهوية الثقافية والتاريخية للإمارة، وإتاحة المجال للكثير من الناس للوصول إلى فهم أفضل لتاريخ المنطقة.
 

ولأن الأسواق هي روح المدن، وذاكرة المكان، فهي أكثر الأماكن ارتباطاً بالناس وحياتهم اليومية، حيث تكتسب مع الوقت أهمية أكبر من كونها مكاناً للتبادل التجاري، فتتحول إلى وسيلة للتواصل الاجتماعي وملتقى للسكان يلتقون فيها ويقضون أوقاتاً ممتعة، ويناقشون ما يشغلهم من موضوعات حيث كانت الأسواق في الشارقة تشبه الحياة الاجتماعية في المكان في بساطتها قبل أن تبدأ بالتغير والتطور مثل مختلف نواحي الحياة في الإمارات.
 

ولذلك يظهر جلياً مدى اهتمام وحرص هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق) على إعادة ترميم الأسواق القديمة ضمن المشروع التراثي الضخم الهادف إلى إعادة إحياء منطقة "قلب الشارقة" لتشكل وجهة تراثية وثقافية وسياحية متفردة تجمع أصالة الماضي بحيوية الحاضر لتستشرف المستقبل، ما يتيح لمختلف فئات المجتمع، بمن فيهم المواطنون، والطلاب، والأسر، وأجيال الألفية الثالثة، والسياح، فرصة مثالية للاستمتاع بأجواء خاصة من الراحة والهدوء في محيط من الألفة توفر مرافق خدمية ذات مستوى عالمي، تشمل أسواقاً تراثية ومحالاً تجارية تعرض المنتجات بأنواعها المختلفة، إلى جانب المطاعم والمقاهي التي تقدم للزوار تشكيلة واسعة من المرطبات والمشروبات المصنوعة من أجود المواد، والقهوة المصنوعة من أفضل أنواع البن الأفريقي.
 

ومن أهم المعالم التراثية التي تتميز بها منطقة "قلب الشارقة" سوق الشناصية، أحد أقدم وأكثر الأسواق حيويةً في المنطقة، وأحد الشواهد الحيَة على محطة من المحطات التاريخية المهمة في تاريخ الإمارات.
 

يقع سوق الشناصية بمحاذاة خور الشارقة، ويضم العديد من الممرات والأزقة التي تنتشر على جنباتها العديد من المتاجر لبيع العطور والألبسة والهدايا التراثية والتحف والمطاعم والمقاهي الشعبية، لينتقل الزائر معها في ذاكرة المكان ويستطلع معالمه، في تجربة تسوق وترفيه من عبق الماضي الأصيل، تثري الحواس وتلهم الوجدان.
 

 

وقال يوسف المطوع، مدير وجهة قلب الشارقة: "يعتبر سوق الشناصية أحد أقدم الأسواق في إمارة الشارقة وأكثرها عراقة، ومع النمو الاقتصادي الذي عرفته الإمارة في أواخر ستينات القرن الماضي، تأثر بأعمال التخطيط والتطوير الحضري التي كانت تتم في الشارع، الذي اعتبر حينها قلباً اقتصادياً للإمارة، إذ كان مقراً حيوياً للبنوك والشركات الكبرى في تلك الفترة".
 

وأضاف: "التزمت (شروق)، ضمن رؤيتها التطويرية لـ(قلب الشارقة)، بإعادة بناء وترميم المنطقة، وإعادتها لما كانت عليه في خمسينات القرن الماضي، لذا قررت إعادة بناء السوق على أساساته الأصلية، ليعود كما كان في تلك الحقبة، مع تغيير استخدامه ليتناسب مع روح العصر الحالي، لكن بقي التركيز قائماً على احتفاظه بتراث الشارقة الذي يعتبر جزءاً لا يتجزأ منه".
 

وتابع: "خصصت (شروق) محال السوق الـ17 لرواد الأعمال الإماراتيين الشباب، الذين أسسوا أسماء وعلامات تجارية سرعان ما وجدت قبولاً وانتشاراً، سواء لدى مجتمعنا المحلي أو قاطني الإمارة وسياحها، ونتطلع إلى أن يواصل هؤلاء الشباب النجاحات التي بدأها أجدادهم التجارة هنا ذات يوم".
 

ويجسد "ريشيوز كوفي"، الذي يتميز بإطلالة رائعة على الكورنيش، مثالاً رائعاً عن كيفية المزج بين الماضي والحاضر، حيث يتيح للزوار تجربة متميزة تمزج روح المكان في الماضي مع الأجواء العصرية، ويقدم نوعاً رئيساً من القهوة متعددة النكهات والمحضَرة من أجود أنواع البُن، وتم تصميم المقهى، بكل محتوياته وعناصره وأثاثه من مركب شراعي مملوك لأسرة صاحب المقهى الإماراتية، حيث تم سحبه من البحر منذ أكثر من 60 عاماً، بعد أن كان يستخدم في نقل البضائع عبر موانئ الخليج العربي.
 

ويحتضن الشناصية أيضاً، مقهى "قهوة قهوة"، المصمم وفق الطراز المعماري البحريني، والذي يوفر جواً مثالياً للطلاب الباحثين عن ركن هادئ للدراسة، وللأصدقاء الذين يرغبون بقضاء أجمل الأوقات في أجواء مفعمة بالهدوء والاسترخاء، كما يوفر المقهى بيئة مثالية لرجال الأعمال لعقد اجتماعات العمل في أجواء مفعمة بطابع الضيافة الخليجي الأصيل.
 

ويوفر "لو بوتيغا ديل جيلاتو"، لمرتادي السوق وزوار المكان تشكيلة من كوكتيلات الفواكه الطبيعية المنعشة والآيس كريم التي يتم تقديمها داخل حبة الفاكهة نفسها، أما محل "الفرايه للحلويات" فهو محل جديد، يقدم أنواعاً مختلفة من الحلويات العربية، مثل الكعك والبسكويت والفطائر الحلوة التي تلبي مختلف الأذواق، وتسعد زوار السوق.
 

وشهد سوق الشناصية مؤخراً، افتتاح متجر (ASA) الدنماركي، الذي يقدم خيارات واسعة من البهارات العضوية بالكامل، وأصنافاً فاخرة من الشاي والأعشاب الطبيعية الحاصلة على ترخيص رسمي من قبل هيئات صحية أوروبية ودنماركية.
 

وتعني كلمة ASA "الأمل" باللغة الهندية، وتُنطقُ "آشا" باللغة نفسها. وقد استُوحي اسم المتجر من اسم الحافلة البالغة من العمر 30 عاماً والتي حملت جوليان أميريز، مالك المتجر، خلال رحلاته.
 

يستخدم المتجر تشكيلة مميزة للغاية من البهارات الطازجة من جميع أنحاء العالم في صناعة خلطاته الفريدة والشهية التي باتت جزءاً أساسياً من مكونات المطابخ التقليدية؛ المحلية والإقليمية والعالمية.
 

وبالعودة إلى فترة السبعينات من القرن الماضي، فقد عرف أهل الخليج العربي في ذلك الوقت أول مشروب غازي، حمل اسم "نامليت"، ولاقى حينها إقبالاً ورواجاً كبيرين، وكان يأتي في زجاجات من الطراز القديم مع سدادة تقليدية من الرخام، واليوم بات بإمكان الزوار والسياح تجربة هذا المشروب التقليدي والشعبي في دكان "نامليت"، الذي أعاد إحياء هذه العلامة التجارية، ليعود "نامليت" مجدداً، ولكن بتشكيلة أوسع من النكهات.
 

أما محل "جسماريا" فيمتاز بعطوره الفاخرة عالية الجودة والمُستخلصة بالكامل من مكونات طبيعية، حيث يقدم تشكيلة واسعة من الزيوت العطرية المصنَعة يدوياً والتركيبات العلاجية.
 

ويضم السوق محال للألبسة الجاهزة التي تقدم تشكيلات تتنوع بين العبايات النسائية والأثواب الرجالية المحلية التقليدية (الكنادير)، والجلابيات المغربية، والملابس الإيطالية، وفساتين المساء والسهرة الأنيقة، وغيرها من الأزياء والإكسسوارات.
 

ويمثل "قلب الشارقة" جوهرة الإمارة، ويعكس مدى تقدمها رغم احتفاظه بروح المكان وهويته الثقافية، الأمر الذي سيجعل الزائر لا يحتاج وقتاً طويلاً لأن يغوص بكل أحاسيسه فيه ويشعر وكأنه في بيته، فمن هنا، ومن هذا المكان بالتحديد، بدأت فصول حكاية الشارقة، التي شهدت العديد من التحولات عبر الأزمنة المتغيرة، وصولاً إلى ما هي عليه اليوم، حاضرةً للثقافة، وصِلة وصل بين الأجيال.