يتصور البعض أن التربية مرادفة للتعليم، بينما يرى البعض الآخر أن التربية غير التعليم، لكن الحقيقة أن التربية والتعليم هما كلمتان مترابطتان ومتداخلتان تماما، لكن مصطلح التربية أشمل وأعم من مصطلح التعليم، فالتربية تشمل التعليم، ويعتبر التعليم أحد أدوات التربية التى تهدف الى ارساء القيم والاخلاق النبيلة والسامية، وبما يتوافق مع معايير المجتمع وقيمه وما يتطلبه من الفرد من أخلاق عالية وصفات نبيلة ، ومع أن أهداف التعليم سامية أيضا فقد تكون غير سامية في بعض الأحيان كتعليم الأفراد التطرف والفهلوه والغش والخداع والسحر والشعوذة والمخدرات والتدخين مما ترفضه التربية. وبينما تعد التربية الفرد للحياة منذ المهد إلى اللحد، فأن التعليم قد يعد الفرد فقط إلى الوظيفة والمهنة، كما أن التربية بمثابة غاية في حد ذاتها فهي تهدف الى بلوغ الفرد إلى أرقى درجات الكمال الاخلاقى والتعليمى ، أما التعليم فهو يهدف بلوغ المادة العلمية إلى الأذهان.

واذا كان التعليم ذو اعباء اقتصادية مرهقه فأن هذه الاعباء تفقد مردودها اذا لم تكن ذات صلة بالقيم العليا للتربية، فالتربية تعزز من قيمة التعليم، ويعتبر الانفاق على التعليم اهدار اذا تجاهل التعليم انه وسيلة واداة تربوية لغرس القيم على مستوى الافراد اخلاقا وعلما وعملا، فالتعليم الذى يقدم للمجتمع طبيب أمين غير الذى يقدم طبيب، والذى يقدم أعلامى وطنى غير الذى يقدم أعلامى.

وهناك صعوبة فى عقد مقارنه أو مقابلة أو حتى مقاربه عامة ما بين اليابان ومصر أو خاصة فيما يتعلق بالتعليم فى مصر والتعليم فى اليابان، فالبون شاسع، لكننى لنركز اكثر على المفاهيم التربوية التى ينطلق منها التعليم فى كلا البلدين، بأعتبار أن التربية مفهوم أخلاقى مجتمعى، على الا ننسى أن اليابان بدأت نهضتها على خلفية دروس النهضة المصرية آبان فترة حكم محمد على؛ حيث استقبلت مصر خلال حكمه عام 1862 بعثة الساموراى اليابانية لاستكشاف كيف تكون النهضة!

يبلغ عدد سكان اليابان 126 مليون نسمه بحجم ناتج قومى 4.7 تريليون دولار فى الترتيب الخامس عالميا، بمتوسط دخل للفرد 37 الف دولار سنويا، بينما يبلغ عدد سكان مصر 88 مليون نسمه بحجم ناتج قومى 943.1 مليار دولار فى الترتيب الرابع والعشرون عالميا، بمتوسط دخل للفرد 10 الف دولار سنويا، وكلا الدولتين تنفق على التعليم ما يعادل 3.8 % من دخلها القومى.

وفى تقرير لمؤسسة فاركي Varykey Foundation بلغ متوسط الانفاق على الطالب فى اليابان 16.7 الف دولار بينما فى مصر اقل من الف دولار 667 دولار، وفى مؤشر الوضع الاجتماعى للمدرس فى دول العالم الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية أن متوسط دخل المدرس سنويا فى اليابان 43.7 الف دولار وقد يصل الى 59.6 الف دولار بينما دخل المدرس فى مصر 10.6 الف دولار. 

وفى تقرير مؤشر التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادى العالمى عام 2014- 2015 ، وتناول عدد 144 دولة؛ فمن حيث الترتيب العام؛ جاءت اليابان فى الترتيب 6 ومصر 119 ، ومن حيث جودة التعليم الابتدائى اليابان 10 ومصر 141، وجودة نظام التعليم اليابان 33 ومصر 141، وجودة تعليم الرياضيات والعلوم اليابان 21 ومصر 136 وجودة ادارة المدارس اليابان 72 ومصر 144 أى أن جودة ادارة المدارس فى مصر جاءت فى المركز الاخير!

وتبدو القيم التربوية فى المدارس المصرية بما هو مجرد مدادا مطبوعا على الغلاف الخلفى لكراسات التلاميذ، ومن هذه الارشادات: إجعل شعارك حب الله والوطن، أحق الناس بحبك وتقديرك أبوك وأمك، كن فخورا بوطنك وبحضارته التى أضاءت للأمم، أبطال وطنك جاهدوا لنصرته فأعد نفسك لتحمل مسئوليتك لتكون مثلهم، كل فرد من أبناء الوطن جندى فى موقعه، مدرستك ملك لك نظافتها وجمالها عنوان ذوقك وتربيتك، مرافق مدرستك لك ولزملائك فحافظ على نظافتها، معلمك يتعب من أجلك فأحرص على طاعته وإحترامه، الوقت من ذهب فإنتفع به ولا تؤخر عمل يومك إلى غدك ، الدين المعاملة فعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به .
فى اليابان كل ما سبق من قيم تربوية واخلاقية واقع لم يكتب على خلفية كراسات، ولكنه ممارسات تربوية اخلاقية سارية وجارية وعامة، مرورا من قيم الامانه والابتسامه والمحبة واحترام الكبير والتعاون ومحبة الوطن والفخر به، ولتصبح الصورة الذهنية لليابان واليابانيون فى العالم اليوم ، تتمثل فى شخصية اليابانى المتسم بالأدب والعلم والانضباط،‏ ويقدس الوقت،‏ ويحترم النظام‏،‏ ويبدع من ضمن الفريق الواحد‏،‏ ويلتزم وبشدة بآداب التعامل‏،‏ وأخلاقيات المتاجرة رفيعة وموصوفة بالصدق والأمانة؛‏ وهذه الأخلاقيات نابعة من الاهتمام بالبرامج التعليمية المتعلقة بالأخلاقيات والسلوك للمواطن‏، ومنذ الصغر في البيت والمجتمع والمدرسة‏.‏ كما أن محاسبة القانون صارمة للمخالفين،‏ والإحساس بالعيب المجتمعي عند ارتكاب الخطأ أو تراجع النتائج، بالإضافة إلى أن القيم المجتمعية اليابانية تفرض على الشخص الاعتذار‏.‏ لذلك يعتذرون ويعترفون بأخطائهم في معظم الأحيان‏.‏

وما بعد هزيمة اليابان فى الحرب العالمية الثانية عام 1945، حاولت الثقافة الامريكية اعطاب اليابانى بتعزيز الشخصية الفردية والقيم الفردية وبما يخالف تماما القيم اليابانية الأخلاقية والدينية في التأكيد على أهمية المجتمع والطبيعة والتناغم الجميل بينهما، لكن في عام‏1989‏ نجح اليابانيون في مراجعة البرامج التعليمية وتطهيرها من القيم الفردية المستوردة‏،‏ وأضيفت برامج السلوك والأخلاقيات بصيغة متكاملة على أن تراجع كليا كل عشر سنوات‏.‏ وقد أدخلت مادة السلوك والأخلاقيات بتناغم في جميع المواد المدرسية ونشاطاتها بالإضافة لبرنامج متخصص في الأخلاقيات يقدم ساعة كل أسبوع على مدار السنة وفي جميع السنوات الدراسية‏.

وتعزز الثقافة اليابانية من أهمية ودور المعلم، فالمعلمون يحظون باحترام وتقدير ومكانة اجتماعية مرموقة، ويتقاضى المعلم مرتبات مغرية بما يوفر له حياة مستقرة كريمة، لكن المعلم ودائما من خريجى الجامعة ولايحصل على هذه الوظيفة إلا بعد اجتياز اختبارات قبول شاقة، والحصول على دورات تدريبية علمية وتربوية، وضرورى ان يتسم المعلم بالالتزام وروح الجماعة والتفاني في العمل، فهو إلى جانب العمل في المدرسة والقيام  بتدريبات ودراسات لرفع مستواه العلمى، عليه الاهتمام بدقائق الأمور الخاصة بالتلاميذ، والتواصل مع اسر التلاميذ، وزيارتهم للاطمئنان على المناخ العام وللتأكيد على أهمية دور الاسرة المتكامل مع المدرسة، وفى حالة الاخفاق يقع اللوم على الأم أولاً والمعلم ثانياً والطفل ثالثاً.

وهناك ادوار هامة فى الثقافة التعليمية التربوية لكل من الام والاب والمعلم والاصدقاء والاقارب، وعلى سبيل المثال وليس الحصر فأن الام تمثل دورا مزدوجا مابين المساعدة والتحفيز واللوم، ويعمل الاب على تنمية اتجاهات الدافعية، بينما يتعدد دورالمعلم مابين التعليم والتدريب والمتابعه، أما الاصدقاء والاقارب فأنهم مرآة النجاح والفخر بالانجاز. لكن بصفة عامة يركز المجتمع اليابانى على الجهد والاجراء وليس النتيجة النهائية، ويعتبر كل الاطفال الاسوياء بامكانهم تنمية قدراتهم على التعلم الجيد فالتحصيل ينتج عن الجهد المبذول والانضباط الذاتى، فالذكاء ليس هو المعول على تقييم الاداء بل الجهد والاجراء والانضباط، وهدف المدرسة هو تطوير التعليم الذى يعزز من امكانيات التلاميذ وتنمية اطفالا منسجمين ويقدرون القيم الانسانية. 

والنظام التعليمي فى اليابان؛ يهتم أيما أهتمام بعدة أمور لا علاقة لها بالمناهج الدراسية بقدر أنها وثيقة الصلة بترسيخ قيم أخلاقية إيجابية معينة، ومن هذه القيم التى تغرس فى الاطفال قيم النظافة والاحترام والتعاون الايجابى، وعلى سبيل المثال قيام الأطفال في اليابان بتنظيف مدارسهم كل يوم لمدة ربع ساعة مع المدرسين ما يغرس قيم التواضع والحرص على النظافة، كما يتم تدريس مادة من الصف الأول إلى الصف السادس الإبتدائي اسمها "الطريق إلى الأخلاق" يتعلم فيها التلاميذ أخلاق التعامل مع الناس.

ولا يوجد رسوب من الصف الأول الإبتدائي إلى ثالث متوسط لأن الهدف هو التربية وغرس المفاهيم وبناء الشخصية وليس فقط التعليم والتلقين، ويأخذ الأطفال معهم فرش أسنانهم المعقمة ليعتادوا على تنظيفها بعد كل وجبة فينمي ذلك لديهم الحفاظ على صحتهم منذ سن مبكرة، ويتذوق مدير المدرسة الطعام المقدم للطلاب قبل تناولهم إياه بنصف ساعة للتأكد من سلامته، وسبب ذلك الإجراء أن الدولة ترى في الطلاب مستقبل اليابان.

ولا تقتصر تجربة اليابان على الأمور السابقة وإنما تتفرد التجربة اليابانية بأمر آخر لا تطبق سوى في نظام التعليم الياباني،وهي مدينة "كيدزانيا" التعليمية التى تقدم للأطفال بيئة واقعية جدا وفريدة من نوعها، فهي مدينة للأطفال ليتدربوا فيها على حياة الكبار، وهي مبنية على فكرة جعل الأطفال يجربون 80 وظيفة مختلفة بشكل عملي وقريب جدا إلى الواقع مثل وظيفة عامل البنزين والكهربائي والطبيب والمهندس والصحفي ومقدم الأخبار. الطريف أنه مع كل عمل لهم، يحصلون على مبلغ مالي من عملة "كيدزو" الخاصة بالمدينة، ثم بإمكانهم فتح حساب في بنك المدينة لإيداع تلك المبالغ. ويمتاز ذلك الأسلوب من التعليم بإتاحة فرصة لكل طفل بأن يختبر قدراته وميوله الوظيفية حتى يحدد كيفية سير حياته المهنية.

والتعليم فى اليابان لا يتمثل في تخريج أطفال بارعين أذكياء بقدر ما هو الاهتمام بتخريج أطفال جيدين ومسؤولين ومنظمين. ويختلف التعليم في اليابان عن غيره من التعليم في بلدان العالم،ويبدأ اليوم الدراسى فى المدارس اليابانية من الساعة 8 صباحا الى الساعة 4 عصرا، وعندما يدخل الطالب الياباني في المدرسة يقوم بخلع نعليه العادية واستبدالها بأحذية رياضيه خاصة بالمدرسة تكون مرتبة في رفوف خشبية عند مدخل المدرسة.
ودائما يكون التعليم من خلال مجموعات تتألف من اربعة طلاب، ويتم تغيير المجموعات بشكل دوري ويتم تعيين قائد دوري لكل مجموعه دراسية يتكلم باسمها وبعد الحصص الدراسية تقدم المدرسة لهم وجبة الغداء والذي يقوم بتوزيعه وتقديمه هم الطلاب بروح تعاونية جماعية.
وفى نهاية اليوم الدراسى، يقوم التلاميذ بتنظيف قاعات الدرس والطرقات ودورات المياه حيث لايوجد عمال نظافة فى المدارس، ويقوم 
ويختم اليوم الدراسي، ويوميا يقوم الطالب بتقييم نفسه بنفسه ويذكر كل الاعمال التي قام بها وما هي المشاكل التي تعرض لها وتناقش المجموعة كل هذه الاعمال، ويقوم المعلمون بزيارات دوريه للمنازل وهذه ضمن جداولهم الرسمية وذلك للتعرف على ظروف الطالب الاسرية
وحتى في العطلة الصيفية، يذهب الطلاب للمدرسة وفقا لبرنامج محدد ليقدموا بعض الأنشطة ويتعلم الطالب الصغير من الطالب الكبير
ويقدم له الاحترام.
والمنتج التربوى للتلميذ اليابانى فى القصة التالية ما يمكن أن يثير التفكير والاعجاب والمقارنه:

دق جرس انتهاء الفسحة المدرسية، فانطلق الطلبة بمدرسة تاكيهار الابتدائية مسرعين من فناء المدرسة نحو فصولهم؛ ليعودوا في لحظات قصيرة مدججين بالمكانس والمسَّاحات وقطع القماش اللازمة للتنظيف، بدأ العمل على الفور في أروقة المدرسة التي ضجت بصياح الأولاد والبنات أثناء قيامهم بإخلاء المكان من مخلفات العلب الفارغة. أما دورات المياه، فنظف الأولاد جدرانها البيضاء وتسابق بعضهم فيما بينهم في مسحها بقطع القماش المبللة،وتم إعادة ترتيب المكان بوجه عام بعد جمع المهملات.
بعد ذلك يدق جرس المدرسة مرة أخرى ليعلن أنه قد حان الوقت لما يسمى «بجلسة الاعتراف» فيقوم فتى من طلبة الصف السادس، ممن يتولون قيادة إحدى جماعات التنظيف، بجمع أعضاء فريقه لإجراء مناقشة بخصوص عمل فترة الظهيرة، وقد دار بينهم الحوار التالي:
سأل قائد الجماعة فريقه قائلاً: «هل قمنا بعملنا على ما يرام اليوم؟
أجاب الآخرون: نعم.

فرد القائد: هل أحسنا استخدام وقتنا تماماً؟

أجاب الآخرون: نعم.
واختتم تساؤله قائلاً: وهل أعدنا كل الأدوات إلى أماكنها؟
فجاءه الرد بالإيجاب.
لكن هذا الجو المفعم بتهنئة الذات قطعه صوت ضمير إحدى الفتيات الخجولات وتدعى سيرا، وتبلغ من العمر أحد عشر عاماً،
حيث قالت: الواقع أننا لم نضع المكانس في مكانها بشكل أنيق.
وقد أومأ باقي الأطفال برؤوسهم مقرين بذنبهم، واكتست وجوههم للحظات مسحة من الكآبة بسبب هذا التقصير.