يوحي عنوان الديوان الأول للكاتبة والشاعرة السورية فاتن حمودي (قهوة الكلام) بتوليد رغبة وجودية في اجتراح العلاقة مع الواقع الموضوعي من حولنا، لا سيّما أن العنوان يضج بانزياح شعري عابق بالتواصل؛ فالقهوة تستدرج (الآخر)؛ كلام الآخر، مثلما تستدرج (الذات)؛ ذات الشاعرة، لكي تتكلَّم سواء مع ذاتها هي أو مع غيرها وإن كان كلامها صامتاً من الناحية الأنطولوجية، فلا يوجد كلام إلا ضمن تواصلية الوجود بحراكه الشامل أو بوحدته نافرة الحضور، لكنها تواصلية تمضي في دروبها الأنثوية هذه المرة وفق تمثلات ما تريد قوله الشاعرة كأنثى آثرت قول صوتها شعراً.

يضم هذا الديوان الصادر عن دار الريس في بيروت مؤخراً اثنتين وعشرين قصيدة بعد الإهداء بواقع 125 صفحة من القطع المتوسط، وتعد هذه مجموعتها الشعرية الأولى.

توافرت قصائد الديوان على تجريب لغة شعرية يعلوها صوت الانزياح عن لغة مألوفة قد تفرض وجودها على قاموس الشاعرة في حالات عدَّة لكنّها – الحالات – التي لا تأتي إلا أثر يثلم بنية اللغة الشعرية. لهذا، تستدرج الناصَّة أو فاتن حمودي المفارقة في ملفوظات عدة ربما القصد منها استدراج القارئ إلى حبائل كونها الشعري مثل “للضرورة أحلام” (ص 9)، و”وجه يتثعلب.. يرتدي الفصول” (ص 11)، و”غريبة أنا وللغربة نباح!” (ص 13)، ومن ثم “في سماوات الغفلة” (ص 14)، وأيضاً “ما زلتُ أجلسُ على نهر الغصة” (ص 22)، إلى غير ذلك من المعاني المعدولة عن أصلها المعجمي صوب مجازات الكلام في قصائد الديوان الأخرى.

تعود الشاعرة إلى همس الولادة والجرح الأول على صعيد تسريد حالتها الوجودية: “أنجبتني أمي ذات ربيع، حملتني تيجان الزهر، ريشة الضوء، بسمة الغزلان الشاردة، جنون العاصفة، وها أنا أمرَّ بجمر السؤال..” (ص 18)، حتى تقول في القصيدة ذاتها: “يمر الربيع بلا ربيع” (ص18)، وفي ذلك بوابة مشرعة لقول ما تعيشه اللحظة الراهنة من وهن وضياع والتباس وألم وقلق وتيه؛ فالموتى؛ “لا قبور لهم، مثل ليل الشام، ونهاراتها، مثل صوت أمي ممرغاً بالغياب” تقول فاتن (ص 20)، هذا الغيابُ الذي أمسى حزناً لاذع الطيات؛ فحتى وهي تخاطب حبيبها تقول له: “أنتَ الشام وبردى الذي كان” (ص 27)، ولعل الذي “كان” هو ليس ما هو كائن الآن، ذلك أن “كل شيء موحش، لا تفتحي نافذة الليل فيلسعك غيابه، وتلسعك الوحدة، لا تفتحي النافذة على ليل دمشق” (ص32) ليبقى “عازف الناي” تقول الشاعرة: “حزينٌ مثلي.. أنا التائهة”، وذلك في مطلع قصيدتها التساؤلية (هل أخطأنا الطريق؟) (ص 36)، لتنظر حولها فتجد أن البرد وقد ضاق بها ومنْ معها، بل “ضاقت الأرضُ”، وأصبح الموتى في “القطار يطلون من النوافذ ملوِّحين بالوداع، غربانٌ على المدينة، فعلى أي هامش نقف، وعلى أي قبر نرثي ما بقي من غناء؟” تسأل في قصيدتها ذاتها (ص 38).

أما دمشق التي غادرتها الشاعرة إلى مدن الرمل المعتق برائحة النفط منذ سنين “لم تعد صبية الياسمين، ولا عروس الحكايات، إنها الآن في غرفة إنعاش دموي” (ص 107)، ولا تقوى الشاعرة على نسيانها، ولذلك تحدوها جمرة السؤال من دون هوادة عن وطن وقد ضاع، ففي شرفة الغربة تشرب الشاعرة القهوة، وتقلِّب الفنجان لكي تبصر معجزة تأخذ بيدها إلى ذلك الوطن الذي يعلوه الغبار والغياب في آن معاً.

أخيراً، تبدو تجربة الكاتبة السورية (فاتن حمودي)، المقيمة في أبوظبي، وعبر ديوانها الشعري الأول (قهوة الكلام)، عابقة بأكثر من ألم وحنين وشكوى من الناحية الموضوعية، كما أنها تبدو متنوعة من حيث تجريب الكتابة الشعرية، خصوصاً أن الطابع الحكائي يعلو صوته في أغلب القصائد ما جعل القصيدة لديها ذات أفق غنائي يمور به الوطن كما تمور الذات الأنثوية في ملعب وجودها.

المصدر:

 http://www.eremnews.com/arts-culture/378634