1

مثلما يحدث في أرض الواقع من معارك وصراعات وقلاقل، تكون اللغة عادة واحدة من مرايا 
الواقع التي تنعكس عليها هذه اليوميات الإنسانية، بحيث يكتشف المرء بذهول كبير مدى 
حساسية اللغات للتّحولات السّياسية على نحو سريع وغير معقول أحيانا.

ولكي نوضح ذلك بدقّة، نأخذ مثالا وقع عام 2003 أي العام الذي تمّ فيه غزو العراق من 
طرف أمريكا، ففي تلك السّنة برز موقف فرنسا واضحًا من هذا الغزو، حيث أعلنت رفضها 
الصّريح للتّدخل الأمريكي وهنا برز ردّ فعل طريف ومثير أيضا، وهو أن الشّعب 
الأمريكي الذي يسمي البطاطس المقلية باسم «فرانتش فرايز،French fries  » أو 
«البطاطس الفرنسية» صار من باب التّعبير عن رفضه للموقف الفرنسي يُطلق عليها اسما 
جديدًا لا يخلو من خبث، هو «ليبرتي فرايز، liberty fries» أو «بطاطا الحرية»، الأمر 
الذي يبيّن بوضوح مدى الغيظ وإرادة الانتقام السّياسي بأي طريقة كانت، حتى ولو 
بتغيير اسم البطاطا!

وليس في الحقيقة هذا بالموقف الجديد الذي تحدث فيه حرب اللغات ويدخل فيها الطّعام 
على خطّ النّار، إذ الأمر نفسه وقع تقريبا عام 1990 الذي استأنفت فيه فرنسا تجاربها 
النووية، ولأن ذلك يتم بالقرب من الأراضي الأسترالية، فقد راح الأستراليون يتظاهرون 
بغضب رافعين قطعة الخبز الفرنسية المسماة(baguettes) تعبيرًا عن احتجاجهم على 
الموقف الفرنسي، وأنهم لا يرفضون فقط السّياسة الفرنسية بل حتى الثّقافة الفرنسية 
أيضا.. فتأمل.

2

من الصّعب جدًا أن تتقبّل فكرة أن سكان قبيلة زيا(Zia) بجزيرة غينيا الجديدة، 
الواقعة شمال أستراليا، عندما يعطس أحدهم يقولون له على الطّريقة الإسلامية «يرحمك 
الله !Bless you». وذلك لطرد الأرواح الشّريرة والتّخلص منها، علما بأن سكان هذه 
الجزيرة الكبيرة الواقعة في المحيط الهادي، هم من الوثنيين ولا علاقة لهم بآداب 
الإسلام.

وكما هو ملاحظ اللغة هنا تؤدي دور التّعويذة ضدّ الشّر والنّحس والأرواح المشؤومة، 
كما أن اللغة – أي لغة – يمكن وصف كلماتها أيضا بأوصاف الوجوه، إذ ثمّة الكلمة 
الجميلة والجذابة والطيّبة واللذيذة والمعبّرة والشّاعرية والطّريفة والمثيرة 
والمخيفة والقبيحة الفظّة وحتى المرعبة.

وفي هذا السّياق لنأخذ مثلا كلمة «السّرطان» التي تدلّ على المرض الخبيث، طبعا 
التّسمية أصلها من حيوان البحر المعروف ومنها أخذت العربية دلالتها، والسّبب أن هذا 
الحيوان المجني عليه بهذه التّسمية المُنفّرة، حين يمسك بفريسته لا يتركها إلا وقد 
حوّلها إلى لقمة سائغة، الأمر الذي يحدث مع مرض السّرطان الخبيث والذي مع شديد 
الأسف تمّ إحصاء حتى الآن من طرف الباحثين المختصّين في مجال الطّب 200 نوع منه 
وأغلبها خطير فتّاك.. فتأمل.

المصدر : 

https://www.nafhamag.com/2015/11/08/%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AE%D8%B7%D9%91-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%91%D8%A7%D8%B1/