يتساءل البعض لماذا صدور مرسوم بقانون مكافحة التمييز والكراهية في ظل وجود مواد في دستور دولة الإمارات في الباب الثاني منه تحت عنوان الدعامات الاجتماعية والاقتصادية الأساسية للاتحاد، والباب الثالث المتعلق بالحريات والحقوق والواجبات العامة تتناول ذات مضمون هذا القانون؟ وكذلك ما ورد في نصوص قانون العقوبات الاتحادي في الباب الخامس منه تحت عنوان الجرائم الماسة بالعقائد والشعائر الدينية من المادة (312-326) وكذلك الفصل السادس من الباب السابع، المتعلق بالجرائم الواقعة على السمعة (القذف والسب وإفضاء الأسرار) في المواد (371-380) فضلاً عن ورود مواد متفرقة في ذات القانون في الفصل الثاني من الباب الأول من الكتاب الثاني والمتعلق بالجرائم الماسة بالأمن الداخلي للدولة في المواد (180-180 مكرر، 181، 181 مكرر، 182، 182 مكرر- (1، 2) ، والمواد المتعلقة بالتحريض على ارتكاب مثل هذه الجرائم، وما ذُكر في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر لعام 2012، الذي غلظ عدداً من الجرائم الواردة في قانون العقوبات إذا ما استُخدم فيها أي من الأجهزة الإلكترونية أو الأجهزة الذكية، وبالتالي وسائل التواصل الاجتماعي وما يماثلها في نشر الفتن أو الكراهية أو الازدراء، وذلك في جملة المواد الواردة في المادة (20) (24) (26) (28) (29) (30) (31) (32) (35) (38).

ولذلك كان من الضروري أن نرد على هذا التساؤل بجواب حرفي يحدد نطاق هذا القانون ومناط تطبيقه.

إن دولة الإمارات دولة متقدمة في جميع المجالات، والجانب التشريعي نال فيها جزءاً مهماً من هذا التطور بمواكبة كافة الطوارئ والمستجدات على مجتمع منفتح كمثله، ومع تعدد الجنسيات وتشابك المصالح وتعدد وسائل التواصل الإجتماعي، التي جعلت كل فرد في المجتمع كمراسل صحفي يغطي الحدث بوقته، والبعض الآخر كإعلامي يدلي بدلوه ورأيه في أي موضوع يطرح، بل تجاوز هذا الحد إلى التأثر ببرامج «التوك شو» التي يتجاذب بها الأطراف الجدال والنقاش، وعادة ما تكون فيه الغلبة للصوت العالي، وهو ما اتبعه الكثير ممن يتعاملون مع هذه الوسائل التقنية بأنهم باتوا يحقّرون دولاً ويسفهون آراء وحكومات، ويثيرون الفتن الطائفية ويتشاكلون بقذف التهم لكل منهم الآخر، حتى باتت هذه الوسائل من التواصل الاجتماعي مرتعاً خصباً للتمييز والكراهية، ولذلك رأى المشرع وكعادته في أن يتصدّى لمثل هذه المهاترات والسخافات والاسقاطات، التي خشي أن تشيع إلى درجات مستفحلة لا يمكن تداركها، فرأى أن يقنن هذه الأفعال ويجرم الخطأ فيها بغية المحافظة على كيان المجتمع ووجوده، وليؤكد بقانون خاص مناط الفعل وأثره والجرم الذي يقع بسببه والعقوبة الواجبة التطبيق بحق من يخالف النظام.

في هذا السياق كان لا بد لنا كمختصين قانونيين أن نسلّط الضوء على بعض بنود هذا القانون؛ ومن ذلك ما ورد في نص المادة (3) من مرسوم مكافحة التمييز والكراهية، إذ نص على أنه «لا يجوز الاحتجاج بحرية الرأي والتعبير» وهو أمر حسن جداً اتخذه المشرع لوضع ضابط صارم في عدم حرية الأشخاص في الطعن بأفكار ومعتقدات أشخاص آخرين بدعوى أو حجة حرية الرأي والتعبير؛ إذ إنه تقف حرية كل شخص متى ما مست حرية الآخرين كذلك.

ويكمل المشرع النص بقوله «إتيان أي شيء أو عمل» والعمل يشمل الكتابة والرسم وأي وسيلة تعبيرية من شأنها التحريض على الأديان والمساس بها، وإن الفتنة الشائعة اليوم والتي تشكل هماً أكبر هي ازدراء المذاهب والمعتقدات والملل، لدرجة استباحة أشخاص دماء مسلمين آخرين بدعوى اختلافهم بالمذاهب، بل أقام كل هؤلاء الأشخاص نفسهم أرباباً من دون الله لكي يحكموا على الناس ويدخلوهم الجنة والنار.

وفق بيان بعض نصوص هذا القانون يستوجب من كل فرد في هذا المجتمع أن يتوخى الحيطة والحذر من أن يحفظ في هاتفه أياً من الرسائل أو الفيديوهات أو التسجيلات التي من شأنها أن تثير التمييز والكراهية بين أفراد المجتمع، أو أن يقوم بنشرها دون وعي أو إدراك لمحتواها فيساهم في الجريمة كالمرتكب الأصلي لها.

نحمد الله أننا في هذه الدولة نعيش تحت مظلة قيادة حكيمة رصينة، تسعى لحفظ حقوق الأفراد وحماية مكتسباتهم، أخذاً بالاعتبار صيانة كرامتهم ومعتقداتهم، دون المساس بمبادئهم، إذ إننا نحيا حياةً قائمة على المشاركة وتقبل الجميع. حفظ الله دولة الإمارات قيادةً وشعباً والحمد لله رب العالمين.