في طفولتي كان "الموز"، إلى جانب بعض أنواع الشوكولا والمكسرات، من "الرفاهيات" غير المتوفرة على الدوام.. ‏بدافع البخل؟ كلا بالطبع، بالرغم من ضعة حالنا، بل السبب أن "حقل الموز في الدامور" يكاد لا يكفي 14 ‏فاهاً، على الأب المعيل الوحيد توفير قوتهم وملبسهم ومدارسهم وطبابتهم، وطبعاً بمساعدة الأكبر سناً بين ‏أشقائي، ولاحقاً من يليه، وهكذا.. ‏

فلأن أصول الضيافة لدى "أم نعيم" تقضي بإكرام زوارنا، حتى ولوا كانوا جيراننا الدائمين، في زياراتهم ‏اليومية، والمرفوعة الكلفة بيننا وبينهم، كنا ننال نصيبنا العادل من الموز، قبل أن تحال الكمية المتبقية منه إلى "مخبأ" لم يكن عصيّاً على شقيقي ‏الأصغر الراحل مروان، الذي كنا نراهن على نجاحه الدائم في "غزواته" على "مستودعات الضيافة"، ‏فنشاركه متعة تناول ما يغنمه، لننكر لاحقاً مشاركتنا إياه في التخطيط والتحريض، فننأنى بأنفسنا عن "العقوبة" التي لم تكن ‏لتتجاوز بعض عبارات اللوم، وإعادة توضيح السبب وراء "تحييد" الموز وغيره عنا، ومن ثم تغيير مكان ‏المخبأ الجديد، وبالتالي كشفه وتوزيع المغانم، في لعبةٍ ممتعة دامت لسنوات، قبل أن نكبر ونصبح قادرين على توفير ما نحتاجه من كل ‏أنواع الفاكهة والشوكولا والحلوى، فصرنا نحضرها بكمياتٍ كبيرة نخال أنها ستكفينا لأسابيع، لنتافجأ بها "تتبخر" في ‏أيام! بالرغم من وقف غارات البحث والتنقيب.. وحين كنا نسأل "إم نعيم" عنها، كان الجواب إياه يتردد مع تلك الابتسامة التي اشتقناها:"ما إنتو ‏جيش، يخزي العين، شو بدو يبقى؟".. فنجدد التموين، لتتكرر حكاية النقص إياها والسؤال ذاته، والتبرير نفسه، إلى أن عرفنا أخيراً السبب المقنع، بُعيد رحيل "إم نعيم" عن هذه الفانية، على لسان أكثر من شخص من أهالي ‏ضيعتنا بقولهم:"هلق صار فينا نحكي.. كنا نشوفها كل يوم الفجر- الله يرحمها- حاملة كياس، تحطهن قدام ‏بواب البيوت المحتاجة".. ‏

إنها أم.. نعيم.

بسام سامي ضو