وماذا بعد!
هئنذا..
موجةٌ أنهكتها سيوف سواحل،
أبحرتُ بثلثيِّ هذه الأرض
ولم أبتل،
طفت غابات الكلام
تشابكت أكثر،
سلكت دروب الطير
فانكمش الفضاء أكثر،
حاربت الجهات كلها..
وخسرتها،
لم يبق إلا أنت،
أفردُ أسئلتي المملةَ
لن أكرر ما سألت
لكني ألخصها بـ: ماذا بعد!
قلتَ أهاجرُ، قلتُ: لا
لا أحب التسكّع في براري المَخادع..
قلتَ أخرجُ صحبةَ الصعاليك
نأخذَ ما ليس لذاك ونعطي لهذا،
قلتُ لا،
أحب خروج الفقراء
شاهرين خبزهم فوق الرماح،
قلتَ أحيطُ خاصرة العمر بحزمة ناسفةٍ
وأحرقُ قافلةً تأمرها فزاعة طير
وقلتُ بكل تواضع الغرباء: لا
قامتي أجمل بالخطايا 
والزهر أجمل من قامتي..
ثم أنني.. لن أموتَ شهيدا
قلتَ أعاودُ العشق مرةً عاشرة
وقلتُ بحدةٍ: لا..
قد كرهتني النساء،
والشعر أبطلت الحربُ سحره  
آخرُ امرأة همستها:
"كتبت قصيدةً لعينيك بماء العنب ..
فقالت: "منذ متى لم تزر سوق الذهب!"
قلتَ أثقلُ في الشراب
كي أتناسى القباب وما تحتها
قلت بحسرةٍ: لا..
لم تعد تثملني خمرةُ السحابِ
سمّاري، تبعثروا في الغياب..
فماذا بعد؟
لا تنم،
لا تدعي الموت.. حدثني،
فنحن غريبان يتيمان
خادعان مخدوعان
 سجّانان مسجونان
غاضبان مغضوبان
خائفان مخيفان
قاتلان مقتولان
عاشقان معشوقان
عازفان معزوفان
فاعلان مفعولان
أسيران آسران
حدثني..
لا تبتلع صرخةً للزمان
ولا، تقتل البحةَ في الكمان
أجبني، وماذا بعد!
يوقظني النباح
من بيت جارنا في الصباح
لِعِلّةٍ في النكاح
فأوقظ مملكة الدبابير
أشعل سيجارةً على عَجَلٍ
وأمضي إلى عِجْلٍ فيذبحني
أعود فأرعى.. ثم أنام
ويوقظني عسس المنام
اضاجع الظلام
ألعن جارنا، أطرح السؤال نفسه:
وماذا بعد،
أكتب في الليل ألف نجمة وأمسحها
لعلةٍ في حنان الكواكب
يسحبني مذنّبٌ ضجرٌ 
إلى عتمةٍ أعرفها وتنكرني
تستبيحني وتشرح لي:
أحب نكران من يدعي معرفتي
حتى إذا اغتصبته منحته عتمتي
وماذا بعد؟
يجثم الناس على رئتيّ
كلما استعرتُ نسمةً للقلب
من شفتيّ السماءِ
يسألونني: هل للسماء شفاه؟
قد شهقتَ ما ليس لك؛
والقلب بالقلب
والشفاه بالشفاه
والهواء بالهواء
والرئات بالرئات
طبّقوا حدودهم عليّ
وأطبقوا حدودهم فابتلعتني الجهات
واستُبيحَ النبض بين كارهٍ لي
وكارهٍ لآية فوق الجباه
وأسألالآن ظل الله
بعد أن أشمس ظِلّي:
وماذا بعد؟
قال صوتي لصوتي:
إنها جنازةُ الوردِ
فاشهق، قبل انتهاءِ طقوسِ الغياب
وابدأ العدَّ
واذكر العطر كثيراً
فهذا، آخر عهدك بالشهدِ
ولا تسل أحداً غيركَ:
ماذا بعد!