يعانى العالم اليوم؛ شرقاً وغرباً، من قسوة الصراع المادى المتفاقم، صراع على العيش الذى أصاب الناس توتراً وأحباطاً؛ ضغوطاً وتنافساً مقيتاً، وتكالباً على السلطة والشهرة والثروة، وأنعكس ذلك فى قتال وأقتتال مابين دول، وفى حروب أهليه داخل الأوطان، وفى معاناة الأفراد والأسر والمجتمعات، ولم يسلم من هذه المعاناه الفقراء والأغنياء، وكلاهما باتا يعانيان من افتقاد السلام الداخلى بمستوياته وأطره المختلفة، ويظل الامل معقودا على أهل الحكمة ومحاولاتهم لرأب الصدع العالمى، وتطبيب الناس، مستهدفين بث بذرة الاطمئنان والسلام الداخلى فى نفوس وقلوب الناس، وفى ظل استفحال الاضطرابات عامة وتفاقم الصراعات بين منتمى الدين الواحد رغم ما يحمله الدين من قيم نبيلة ومبادئ سامية، هكذا بدت الفرصة سانحة أمام الهنود لاستثمار مناخ الاضطراب النفسى والروحى المتفشى فى العالم،ظاهرا ومظاهرا، وتقدموا لترويج اليوجا نهجا لرياضة روحية تهدف الى تحقيق السلام الداخلى فى نفوس الافراد والمجتمعات، ونجحت الهند فى نيل موافقة دولية للاحتفال باليوم العالمى لليوجا.

وعلى خلفية جملة من الاسباب ؛بينها افتقاد السلام الداخلى للانسان ؛ يذُكر أن أكثر من ثلث سكان العالم تعرضوا للإصابة بأحد الأمراض النفسية في مرحلة ما من حياتهم. ويقدر أن حوالي 450 مليون شخص في العالم يعانون من اضطرابات نفسية وعقلية، وأن عائلة من كل أربع عائلات بها فرد واحد على الأقل مصاب باضطراب نفسي أو سلوكي، وأن واحداً من كل أربعة أفراد معرض للإصابة باضطراب نفسي في مرحلة ما من مراحل حياته. وفى كل ثانية ينتحر شخص على الكرة الأرضية، وتحدث 800 ألف حالة انتحار سنويًا، ونسبة 75% من حالات الانتحار؛ تحدث في الدول متوسطة الدخل.

وحاولت الهند مرارا وباصرار تدشين يوما عالميا لليوجا،حيث كان يحتفل معلمى وطلاب اليوجا باليوم العالمى لليوجا، لكن فى توقيتات وأيام مختلفة خلال العام، وفى عام 1999 قام الهندى اليوجى "جاجات جريو" بتدشين "حركة اليوم العالمى لليوجا" فى نيويورك، وبدأ اليوجيون فى العالم منذ عام 2001 بمطالبة اليونسكو والأمم المتحدة بتخصيص يوم 21 يونيو يوما عالميا لليوجا، وفى عام 2007 قام "جاجات جريو" بتنظيم كرنفال اليوجا العالمى فى القنصلية العامة للهند بنيويورك . وفى 21 يونيو 2009 وقع "جاجات" اتفاقاً مع رابطة اليوجا بالبرتغال لدعم المطالب بتخصيص يوما عالميا لليوجا، وتعزز ذلك فى 4 – 5 ديسمبر 2011 بانعقاد مؤتمر بمشاركة الرابطة البرتغالية تحت شعار "اليوجا علم سلام العالم" ونظم المؤتمر مؤسسة فن الحياة وجامعة اليوجا S-VYASA بنجالور - الهند.

وفى 11 ديسمبر 2014 قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة فى جلستها التاسعة والستين تبنى مسودة القرار الذى اقترحته الهند وشاركت فى رعايته 177 دولة والذى ينص على إعلان يوم 21 يونية كيوم عالمي لليوجا. وتأتي أهمية هذا الإعلان بسبب تطبيقه بعد حوالي 80 يوم فقط من قيام رئيس الوزراء الهندي السيد ناريندرا مودي بطرح الفكرة في أول خطاب له في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 27 سبتمبر 2014، ويقال أن هذا اليوم يوافق تاريخ اليوم الذى بدأت فيه معرفة الجنس البشري لليوجا، كما أنه أطول يوم من أيام السنة في نصف الكرة الشمالي. وبعد اعتماد قرار الأمم المتحدة، قال مودي"أن الاعتراف الرسمي من قبل الأمم المتحدة باليوم العالمى لليوجا من شأنه أن يزيد تعميما للفائدة للعالم كله." 

وفى 21 ديسمبر 2014 قامت سفارة الهند بالقاهرة بعقد مؤتمر صحفي لإبلاغ رجال الإعلام بشأن إعلان الأمم المتحدة الاحتفال بيوم 21 يونية كيوم عالمي لليوجا. وقال سفير الهند بالقاهرة السيد نافديب سوري: "أن اليوجا قد انتشرت على المستوى العالمي وأصبحت تمارس اليوم في مختلف دول العالم... وأن اليوجا تعتبر من بين أهم العناصر الرمزية المتعلقة بتراث الهند الروحي فهي بمثابة علم الحياة بشكل صحيح وتنبئ اليوجا بأسلوب حياة صحي وتحدث توافقا بين العقل البشري والروح في توليفة من التوليفات الصعبة وتمثل منهجا شاملا للصحة والرفاه. ولا يتعلق الأمر بمجرد ممارسة اليوجا ولكن بوحدة العقل مع النفس الأزلية والعالم والطبيعة."

كما أشار سفير الهند إلى أنه في محاولة لإحياء التقاليد القديمة تم إنشاء وزارة متخصصة في الطب البديل الذي يتضمن اليوجا والأيوروفيدا. واضاف قائلاً:"أن اليوجا – التي تعتبر تراثا ثقافيا هنديا غير مادي - تحتاج إلى فهم المجتمع الدولي لها بصورة واسعة لأنها تعزز الحوار الثقافي والحضاري بين الشعوب والمجتمعات والثقافات ... وقد اتخذت الهند خطوات هامة للحفاظ على التراث عن طريق تأسيس المكتبة الرقمية للتراث المعرفي، وهي عبارة عن قاعدة بيانات تضم أكثر من 34 مليون صفحة من المعلومات المخزنة حول المستحضرات الطبية القديمة في الهند والتراث المعرفي في مجال الرعاية الصحية. "

 وبمناسبة الاحتفال الاول باليوم العالمى لليوجا عام 2015 ، تم تنظيم احتفالات وندوات و ورش عمل حول اليوجا فى مختلف انحاء العالم، وفى نيودلهى، قاد رئيس الوزراء الهندي مودي الآلاف في ممارسة جماعية لليوجا ، وأجرى مودي تمارين للإطالة والانحناء والتنفس مع 35 ألف شخص من تلاميذ المدارس والموظفين والجنود. بهدف دخول موسوعة غينيس برقم قياسي جديد كأكبر تجمع لممارسة اليوجا في مكان واحد.

وقام ملايين آخرين بأجراء تمارين اليوجا في تجمعات مماثلة في مئات المدن والبلدات الهندية ، ومن ناحية أخرى شاركت وزيرة الخارجية الهندية سوشما سواراج في نيويورك في الاحتفالات مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون. حيث تجمع 30 ألف شخص في ساحة "تايمز سكوير" لأداء تمارين اليوجا بهذه المناسبة.

لكن الاحتفال بهذا اليوم الذي وصف بأنه يهدف إلى تعزيز "الانسجام والسلام"، أثار حالة من الجدل فى الهند لدى بعض المنظمات الإسلامية التي تقول إن اليوجا هي في الأساس ممارسة دينية هندوسية وتتنافى مع الإسلام. ويقول كثيرون آخرون إن الحكومة القومية الهندوسية التي يقودها مودي لديها أجندة تهدف إلى تعزيز التقاليد الهندية القديمة. لكن السلطات الهندية تنفى هذا الاتهام، وتؤكد أن المشاركة في اليوم العالمي لليوجا ليست إجبارية، وأن التقارير بشأن معارضة المسلمين له مبالغ فيها.

لكن ماهية اليوجا ؛ يرجع أصل كلمة اليوجا الى مصطلح فى اللغة الهندية القديمة ويعنى"الوصل ،الربط" ويتضمن "الانضمام" أو "التوحد" أو "المزاج، السلوك، الوسيلة". ومعناها الحرفي "التوحيد"، وهي كلمة مشتقة من نفس جذر الرقم واحد باللغة الكردية "يه ك"أيضاً فأن يوجا هو اسم عام يطلق على أي نظام عقلي - بدني متكامل يعزز التجربة الروحية ويؤدي إلى اتحاد روح الفرد بالروح الكونية.

 واليوجا مجموعة من الطقوس الروحية الهندية القديمة، وتعرف "بأنها طريقة فنية أو ضوابط محددة من التصوف والزهد والتأمل، مما يرمي إلى خبرة روحية وفهم عميق جدا أو بصيرة في الخبرات". خارج الهند، أصبحت اليوجا مرتبطة بالممارسة في وضعية من التمارين "هاثا يوجا"، كما أنها أثرت بشكل كامل في عائلات تدين بالبراهمانية وممارسات أخرى روحية حول العالم.

كما هو الحال في معظم النظم الفكرية الآسيوية الشرقية، لا يشترط بممارس اليوجا أن يتبع ديانة محددة أو أن يتخلى عن عقيدة ما. في الأدبيات البوذية، يستخدم مصطلح "التأمل" بدلا من مصطلح "يوجا"، الا أن الغرب والعرب تعودوا على مصطلح "يوجا" بحيث أصبح من الصعب إدخال مصطلح آخر بنفس المعنى.

و هناك عدة روافد عن اليوجا وهى هاثا يوجا (المنهج البدنى)، وتانترك يوجا (المنهج التنفسى)، وجانا يوجا (المنهج الفكرى)، وكارما يوجا (المنهج الاخلاقى)،  وباكتا يوجا (المنهج الوجدانى) و راجا يوجا ( المنهج الملوكى) ، ولليوجا وجهتين : فكرية وعملية؛ وتتمثل الوجهه الفكرية بالإيمان بأن التحرر الروحي يحصل حين تتحرر النفس من ارتباطها بالمادة الذي نتج عن الوهم. وهذه الناحية مرنة جدا دون قيود. بينما تتمثل الوجهه العملية اساساً بالتمارين البدنية والتحكم بالتنفس، ويتدرج خطوة خطوة حسب قابلية الفرد في محاولة الوصول به إلى مرحلة متقدمة ،ويفضل الاستعانه بمعلم لكن إذا لم يوجد معلم يمكن للمرء أن يحاول بنفسه أو من خلال القراءة أو متابعة الأفلام أو الصور التعليمية.

وهناك ثمانية خطوات لتنقية الجسم والعقل في رحلته تجاه الاستنارة . وهذه الخطوات  :الياما والنياما والاسانات والبراناياما والبراتياهارا والديانا والصامادي، الياما وهى سلسلة مكونة من خمس قواعد أخلاقية تحث على الصدق وعدم العنف وعدم السرقة وعدم الأنانية و الاعتدال في كل الأمور. ويقال إنها تشبه في محتواها الوصايا العشر عند المسيحيين .والنياما وهي مجموعة من خمس سمات يجب السعي إليه واكتسابها وهي النقاء والقناعة والاعتراف بالوجود الإلهي و الدراسة الدينية، والأسانات وهي الأوضاع والحركات التي يقوم بها الجسم والمصممة لمد وتقوية الجسم والحفاظ على أقصى قدرة ومرونة له، والبراناياما وهى تركز على طريقة التنفس لمساعدة العقل والجسم.

والبراتياهارا تمثل بداية اكتساب السيطرة على العقل وليصبح المرء مدركا لحساسية العقل الفائقة لجميع ما حوله، والداراناوهى الخطوة الأولى نحو تركيز العقل والبدء في توجيهه نحو مناطق معينة بحسب الإرادة ، والدياناوهى مرحلة متقدمه للسيطرة على العقل مع بذل الجهد لتوسيع الوعي وزيادة حساسية العقل، والصامادي وهى الذروة النهائية للسيطرة على العقل والجسم والروح أي الحالة التي يكون الإنسان فيها متوحدا مع قوة عليا خارج ذاته وبلوغ حالة النشوة الروحانية التى تتجسد أثناء الجلوس التأملي وغالباً أن الطريقة المستخدمة في الغرب والدول العربية هي عن طريق استخدام "الأسانا" الرياضيات الجسمانية و"البراناياما" رياضيات التنفس.

وكما كانت حساسية المسلمين فى الهند نحو اليوجا، تلاحظ ذلك فى أمريكا ايضاً وجاء فى مقال لينه مكاوى بموقع الحرة فى 15 يوليو 2013 ان هذا الجدل تحول إلى صراع قانوني في أميركا، ورغم أن القاضي في المحكمة العليا قد حكم بأن الـ"هاثا يوجا" (اليوجا الجسدية) التي تعلَّم في مدارس المقاطعة هي رياضة وليست ممارسة دينية، ولا تؤدي إلى تعزيز أو تقييد أي دين، وأن المدارس اتخذت العديد من الخطوات لإزالة أي تعبيرات دينية في التمارين، إلا أن ذلك لم يوقف الجدل، إذ أصر المدعون على استئناف الحكم.
ويذكر أنه في سبتمبر 2004، أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى تحرم اليوجا على المسلمين، باعتبارها "من طرق التنسك الهندوسية، ولا يجوز اتخاذها طريقاً للرياضة أو للعبادة ". وفي نوفمبر2008، أصدر المجلس الوطني للإفتاء في ماليزيا فتوى بتحريم اليوجا لأن بها "صلوات هندوسية قد تؤثر على عقيدة المسلمين"، غير أن ماليزيا تراجعت عن هذه الفتوى بعد أن أثارت احتجاجات واسعة، وقال رئيس الوزراء الماليزي آنذاك عبد الله بدوي إن المسلمين باستطاعتهم ممارسة اليوجا من غير الإنشاد، وقال: "أود أن أؤكد أن هذه الممارسة بجانبها الجسدي يمكن أن تستمر طالما أنها تخلو من العبادة، مما يعني أنها ليست محظورة. لا أعتقد أن المسلمين ينجرفون نحو الوثنية بهذه السهولة".
 كل هذه المخاوف لم تضعف الاهتمام المتزايد باليوجا في أميركا بين المسيحيين والمسلمين​ واليهود وغيرهم، لما يجد الممارسون لها من فوائد صحية؛ جسدية وعقلية ونفسية. بل أصبحت الكنائس تطرح ما يسمى بـ"اليوجا المسيحية" التي تؤكد على أن "ملكوت الله في داخلكم"، وانتشرت "اليوجا اليهودية" التي تركز على توحيد الجسم والعقل والروح والكون. وسعى المسلمون إلى استخلاص فوائد اليوجا، حيث قدم مركز آدمز الإسلامي في فرجينيا دروسا في اليوجا للنساء، كما قدمت مدرسة أكاديمية ميتشيجان الإسلامية دروس يوجا للطالبات.  وعلى مستوى أميركا ككل، بلغ عدد الذين مارسوا اليوجا في عام 2012 نحو 20.4 مليون أميركي، في زيادة قدرها 29 في المئة عن عام 2008 كما وجدت هذه الدراسة أن نسبة النساء من بين أولئك الذين يمارسون اليوجا بلغت 82.2 في المئة.

 وتقول فريدة حمزة وهى مسلمة وتعمل معلمه لليوجا بولاية ارويزيانا: "يرى الذين يمارسون اليوجا أن الذين يتخوفون منها لا يعرفون عنها الكثير... ولا ينبغي أن نكون سطحيين إلى هذه الدرجة. من واجبنا أن ندرس الأمور وأن نتعلم وأن نتخذ القرارات المناسبة لنا. هكذا نتخلص من الجهل. لا ينبغي علينا إطلاق الأحكام على الآخرين. إذا استطلعت اليوجا ووجدت أنها غير متوافقة مع معتقداتك فبإمكانك تركها والمضي قدما في حياتك".
 ويؤكد متحدث عن مركز "هيا يوجا" بالقاهرة أن جوانب من اليوجا تطورت من خلال الهندوسية والبوذية واليانية وغير ذلك من العقائد الشرقية، غير أن اليوجا لم تكن تمارس كدين بحد ذاته، وليس فيها ما يؤدي إلى ضعضعة العقيدة، ومن يأتى للمركز وذلك لممارسة اليوجا فقط كوسيلة للرياضة وتخفيف مستوى التوتر، بالنسبة لهم ليس في الأمر ديانة على الإطلاق، وليس لديهم مشكلة في طريقة ممارستهم لدينهم، الكثيرات منهن يرتدين الحجاب ويصلين خمس مرات في اليوم ومنهن مسيحيات يذهبن إلى الكنيسة لأنهن مطمئنات ومرتاحات في ديانتهن ، وتضيف أن بعض المتدينين لا يرتاحون لليوجا لأنهم لا يعرفون الكثير عنها، "لديهم أفكار مغلوطة عن اليوجا، أو أنهم غير منفتحين على تقبل الطرق المتغايرة التي يتم فيها ممارسة اليوجا. هناك مثلا الكثير من الناس هنا في مصر يمارسون نوعا من التأمل المستمد من الصوفية، وبالنسبة لهم هذا يناسبهم". 
ويرى الدكتور عزيز العنزي، مدير مركز الدعوة والإرشاد بدبي :"بالرجوع إلى أصل اليوجا نجد أن لها ارتباطا بعقيدة لا تتفق مع عقيدتنا الإسلامية فتجتنب. ووسائل الاسترخاء المباحة كثيرة". بينما يقول الباحث الكويتي عادل البحلق "لا يجوز للمسلم أن يمارس اليوجا البتة، سواء أكانت ممارسة عن عقيدة أو عن تقليد أو كانت طلبا للفائدة المزعومة"  غير أن الدكتور أحمد الباتلي، مدير مركز الإعجاز العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، يقول من جانبه عن اليوجا "لا أرى بها بأسا ما دامت تخلو من المحظورات الشرعية؛ وليس القصد التشبه بالبوذيين؛ بل للصحة النفسية"