في تعليق على اخبار الهبّة الفلسطينية كتبتُ على حسابي في الفيسبوك «انا مواطن عربي اعلن تأييدي لكل اشكال التعرّض بكافة الادوات الحادة والاسلحة للمدنيين الاسرائيليين ما دام توجد قطعان المستوطنين النازيين المسلّحين وما دامت توجد وحدات «المستعربين» الذين يقتلون الاطفال. كل طعنة ضد الاحتلال فعل مقاومة من اجل حرية الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير على أرضه. فلسطين شعبك عظيم ونساؤك اعظم». ارسل لي صديق جامعي فلسطيني على الايميل تعليقا باللغة الانكليزية هذه ترجمته العربية: «ما قلته كاسح السلبية! سمحت لنفسك بأن تُجَرّ إلى الحقل الاثير لرجعيي اليمين والامبرياليين والصهاينة والفاشست والدواعش وهم فيه متفوّقرن. لقد امضى اليسار كل حياته داعيا إلى مشروع تحرري لصالح الجميع ينبني على الطبقة لا على القومية ويحاول انقاذ الحركات القومية من الوقوع في هذه الحفرة. مهنته ـ اليسار – التمييز لا الايمان بالثأر القبلي وشهوة الدم. للكفاح المسلح قوانينه وشروطه وهي لا تعني التقاط اول أداة حادة وسحق جمجمة فرد في القبيلة المعارضة. هذا يعني رمي السياسة من النافذة. اعلم انك تعلم كل هذا وهذا ما يجعل تصريحك اكثر اثارة للقلق». 
كتبت لصديقي شاكرا نعوته ومعتذرا بأن لا وقت لدي للردّ الفوري عليه لانشغالي باتمام مخطوطة يصدف ان موضوعها هو الطبقات (لا الطبقة) والسلطة السياسية في لبنان، على ان اردّ عليه عندما افرغ من هذه المهمة. 
لقي «البوست» تبعي ردات أفعال متفاوتة. نَفَرَ منها تعليقٌ لمواطن سوري استنتج من تعليقي اني، لو طبقته على سوريا، سوف اسوّغ ممارسة العنف ضد المدنيين العلويين والشيعة. صفعني التعليق بالمدى الذي نجح فيه منطق الحروب الاهلية في سحق منطق التحرر الوطني. ولكن ما فجعني هو مدى قصور ردّي الذي يستفظع التشبيه بين ابناء سوريا من علويين وشيعة وبين اليهود الاسرائيليين عن ان يعتبر انه بات من اليديهيات. ادركت ان ما فاتني هو ان التمييز بذاته يستوجب اعادة النظر لا بمحو الحدود بين الاستبداد الداخلي والاحتلال الخارجي طبعاً وانما بادراك مدى تكاثر وتشعّب الاواني المستطرقة التي تكوّنت بين انظمة بنت قوتها العسكرية والامنية وعنفها والاستبداد ونهب الموارد والثروات على مسوّغ مواجهة عدو خارجي، وبين عنف العدو الخارجي ذاته، وبين دور فظائع الحروب الاهلية التي تتحمّل الاستبداد المسؤولية الاولى عنها في تغييب عنف العدو الخارجي او تبهيته او تسويغه. هذه هي الحلقة الجهنمية التي تستدعي وقفة تأمل مديدة قبل اي شيء آخر. 
اعود الآن إلى صديقي الفلسطيني. كأنه، في محاجته العقائدية، لم يفطن إلى ان فلسطين هي آخر مستعمرة في العالم تسعى للتحرر من استعماراستيطاني إجلائي، بانتزاع حقها في تقرير المصير. واستغربت ان صديقي، المؤرخ، يتغافل عن ان هذا الاستعمار قد شَيّد في فلسطين مجتمع استيطان متكامل في مواجهة الشعب الفلسطيني بكافة فئاته وطبقاته، وأن الاتحاد النقابي الصهيوني (الهستدروت) رفع منذ الثلاثينات شعار «العمل العبري» لقطع الطريق امام تضامن عمالي عربي ـ يهودي على اساس طبقي. وصديقي لا يعرف هذا فقط عن اليسار و«الطبقة»، بل هو قد وثّق له توثيقا، مثلما وثّق لانشقاق الحركة الشيوعية الفلسطينية، بُعيد الحرب العالمية الاولى، عند نشوب خلاف لم يمكن تجاوزه داخلها حول الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وموضوع التقسيم. 
لنبقَ في الماركسية والمسألة الوطنية. لا مبالغة في القول ان ابرز انجازات الماركسية في النصف الثاني من القرن العشرين هي انها ألهمت وقادت حركات تحرر وتوحيد قومية عبر العالم من الصين إلى كوبا مرورا بفيتنام وافريقيا الجنوبية وغيرها، بغض النظر عن رأينا في نوع الانظمة التي إنبنت على حركات التحرر الوطني تلك ومصيرها. ومهما يكن، فإن اسرار نجاح الماركسية واليسار والشوعيين في حركات التحرر الوطني انها عملت على إرسائها إلى قاعدة واسعة من الطبقات الشعبية، اي انها ادخلت «الطبقة» في المسألتين الوطنية والقومية، ولم ترمها من النافذة. والاهم ان حركات التحرر تلك خاضت النضال الوطني بواسطة الكفاح المسلّح على اعتبار الاستعمار منظومة عنف وان لا حظ للشعوب في ان تتحرر منه الا بالعنف. لم يكن عنف حركات التحرر ضد المدنيين ضروريا في القسم الاكبر من الحالات. لكنه حصل. لم يقتصر دور الماركسية على حركات التحرر في البلدان التي استعمرتها القوى الغربية، لعبت الماركسية والشيوعية واليسار الدور الابرز في اطلاق وقيادة حركات المقاومة ضد الاحتلال النازي والفاشي في اوروبا. وهذا، للتذكير، مقطع من «نشيد الانصار» المقاومين الشيوعيين الفرنسيين الذي ما لبث ان تحول إلى نشيد المقاومة الفرنسية بعامة. 
«هيا، ايها القتلة، بالرصاصة وبالسكين، أقتلوا بسرعة!
هيا ايها المخربون، أحرصوا إلى حمولتكم: ديناميت!»
وحتى لا يتفاصح احدهم: قتلتْ المقاومة الفرنسية المدنيين والمدنيات وصفّت العملاء والمتعاونين وهي تعمل ولا تزال تقاوم تحت الاحتلال، وفي الاسابيع الاولى من التحرير قتل لا أقل من 50 الفا من الفرنسيين، معظمهم من المدنيين، عدا عن تشطيب وجوه النساء اللواتي كانت لهن علاقات بجنود او ضباط نازيين او حلق شعورهن. هكذا: القتل بالسكّين في بلاد الخواجات أسمه مقاومة، ومجرد رمي حجر على محتلّ عندنا يسم الرامي بالارهاب. 
فلنكمل. نأتي إلى «السياسة في النافذة». اذا كان لصديقي من اجتهاد عن مسؤولية فلسطينية او عربية في تفويت فرصة تسوية سياسية سلمية تفاوضية للنزاع الفلسطيني-الاسرائيلي، او النزاع العربي-الاسرائيلي ـ ما يعني «رمي السياسة من النافذة» – فأنا شغوف بالاستماع اليه. في غياب خيار سياسي سلمي اين هي السياسة. اني اتحدث عن جيل من الشباب الفلسطيني لم يعرف من الحياة غير العيش في ظل اللاسياسة تحديدا وقهرا، اي بعد اكثر من عقدين على توقيع وعدم تنفيذ اتفاقية اوسلو، وقد نسفت العسكرية الاسرائيلية والليكود الفاشي واطقم التفاوض الامريكي- الاسرائيلي كل نافذة سياسية، بل عتّمت على كل كوة ضوء في وطن وعمل وحرية ومستقبل. هذه السكاكين المشهورة في شوارع القدس سكاكين يأس. يأس شباب لم يعد له من الوطن الا اليأس بل بات اليأس هو الوطن. شباب لا يقاوم من اجل انتصار وهو الذي يعيش الهزيمة يوميا. هؤلاء شباب وشابات، ومن لم يبلغ بعد الشباب، يقاومون حتى لا يستسلموا. والاستسلام، عندهم، هو أسفل درك يمكن ان يصل اليه انسان. ولن يهزموا لأنهم لن يستسلموا. هذا يأس لا يهزم، حسب تعبير اللامع الذي استخدمه جون برجر لدى زيارته فلسطين. ما من قوة تستطيع ان تهزم هذا اليأس الفلسطيني. وهذا هو الامل.

٭ أكاديمي لبناني

فواز طرابلسي

المصدر:

http://www.alquds.co.uk/?p=422068