إذا ما استيقظنا في صباح مشرق ووجدنا أن جميع البشر أصبحوا على شاكلة واحدة، بالألوان والملامح نفسها، أشياء متشابهة كأشجار نخيل في واحة كثيفة، فمن سيكون فينا أكثر قدرة على العطاء؟ من سيكون منا النخلة الأغنى والأكرم، وسيمنح الظل والثمر، هل يا ترى أجملنا اليوم وأكثرنا نشاطاً ورشاقة وحيوية، أم أجملنا روحاً وأغنانا فكراً وأنقانا وجداناً؟

 كذلك هي زينب، لم ترضَ بعد أن أفقدها لغم آثم ساقها أن تقعدها إعاقة، تغلب إحساسها بالثقة ورغبتها في التقدم على نقص في جسدها.

أنت لست ما وُلدت عليه، أو ما أصابك، لست ما منحتك مورثاتك من ملامح، ولا ما سلبت منك الحياة من الحواس والأعضاء، أنت لست البشرة السمراء التي أكسبتك أشعة الشمس، ولست الكرسي المتحرك الذي أحالك إليه حادث أليم، أنت ما تصنع بيدك وما تغذي من روحك، وما تعلي من أهدافك، وما تقوي من إرادتك وعزيمتك، أنت ما تنجز بإصرارك وقوة ساعدك، لا بما حظيت من مزايا ولدت وترعرعت في رفاهيتها.

 

فرسان شجعان أشاوس تسلحوا بقوة اكتسبوها من إيمانهم بقدراتهم، من ثقتهم بإمكاناتهم، تزودوا بكل ما يمكن حمله من الإرادة والعزيمة، وتركوا إعاقاتهم وراء ظهورهم في سعيهم الدائم للأمام، اكتسبوا كل مفاتيح الرقي العقلي، وحافظوا على حسن الروح وغضاضة الفكرة، تفوقوا فأصبحوا محركات الأمل ومفاتيح التنمية.

كذلك هي زينب، لم ترضَ بعد أن أفقدها لغم آثم ساقها أن تقعدها إعاقة، تغلب إحساسها بالثقة ورغبتها في التقدم على نقص في جسدها ليست مسؤولة عنه، انتصرت إرادتها في النجاح على نظرات الشفقة إلى ساقها الاصطناعية التي تحولت وبكل احترام ومحبة إلى نظرات تقدير واحترام وإعجاب. أجبرت شجاعتها في مواجهة الإعاقة والانتصار عليها كل من حولها على الاعتراف المطلق بجدارتها على خوض غمار الحياة، والانتصار في جولاتها.

في حضرة من انتصروا في امتحان صلابة الإرادة وقوة العزيمة، يجتاحك الأمل، يسكنك تفاؤل وفرح، ترتفع من دون تخطيط مسبق سقوف طموحاتك، وتتسع بلا حدود آمالك وتطلعاتك، تلهمك إرادة النجاح وقدرة إثبات الذات الجامحة لديهم، والتي لا ترضى بأن يوقفها إعاقة أو معوق.

زينب، شكراً لك على هذا الكم الجميل من الدفع المعنوي الذي شحذت به هممنا، على هذه الروح الرقيقة التي تجاوزت الجسد وحولت الأنظار إلى ما هو أعمق وأثرى وأبهى، شكراً لكِ لأنكِ كنت ملهمة لمن ألقى السمع وهو شهيد، لأنك منحت لنا مثالاً يتحرك، يمشي بيننا، على قدم واحدة، ولكن بثبات أكبر، بجسد فقد عضواً، وعقل ازداد اكتمالاً، شكراً لك ولكل من برهن بشجاعة كيف تتفوق الإرادة على كل المعوقات وكيف تتغلب القوة الداخلية على كل عامل خارجي يطوق أو يعرقل، وكيف تجعلنا إراداتنا كنخل كريم يمنح الظل والثمر.

المصدر

http://www.emaratalyoum.com/opinion/2015-10-18-1.831390