تضعنا مذكرات زوجة الكاتب الكبير فيودور ديستوفسكي، آنا غريغورفينا، رغم صغر حجم هذه المذكرات في أجواء المناخ السياسي والثقافي الروسي، في الحقبة التي عاش فيها الرجل في نهايات القرن التاسع عشر، هو الذي عاصر عمالقة آخرين في الأدب الروسي مثل تولستوي وتورغينيف وغيرهما. صحيح أننا نمسك ببعض التفاصيل المهمة عن حياة ديستوفسكي وحالته الصحية المضطربة، الناجمة أساساً عن ملازمة مرض الصرع له، ولكننا نقع أيضاً على تلك العلاقة المعقدة والمركبة بينه وبين المحيط الأدبي والمجتمعي في تلك الفترة.
ويبدو محيراً بالفعل أن ديستوفسكي وتولستوي لم يلتقيا أبداً، رغم أنهما عاشا في الفترة ذاتها، وفي المدينة ذاتها. وترد في المذكرات إشارة إلى أن لقاء محتملاً بين الرجلين، كان سيأتي على سبيل المصادفة، في إحدى الأمسيات الأدبية لم يقع، لأن تولستوي حرص على أن يغادر المكان بسرعة رفقة صديق مشترك بينه وبين تولستوي، ربما ليتجنب هذا اللقاء تحديداً.
فيما بعد ألقى تولستوي باللائمة على ذلك الصديق في عدم إتمام اللقاء، في حديثٍ بينه وبين أرملة ديستوفسكي بعد وفاته، إلا أن المذكرات تورد واقعة أخرى تفيد بأن بين الرجلين مشاعر سلبية، قد تكون ناجمة عن شحنة من الغيرة المألوفة بين أهل الكار الواحد، وربما تعود إلى أسباب أخرى غير واضحة.
جرى ذلك عندما أقامت روسيا حفل تكريم ضخماً لذكرى الشاعر ألكسندر بوشكين. كان الجمهور، والشبيبة بشكل خاص، في تشوق لمعرفة ما يقوله عمالقة الأدب في روسيا عن شاعرها الأعظم، خصوصاً أن النخبة الثقافية والأدبية الروسية كانت منشغلة يومها بالسجال بين دعاة الخصوصية القومية الروسية الآتية من جذورها السلافية وعقيدتها الأرثوذكسية، إزاء دعاة التغريب والتشبه بأوروبا، وهو السجال الذي ما زال يلازم روسيا حتى هذه اللحظة، ومعروف عن ديستوفسكي مناصرته للرأي الأول، الذي يصادف هوى أكبر في الوجدان الجمعي الروسي.
ومن أجل المشاركة حضر من باريس تورغينيف التي كان يقيم فيها، وقصد منزل تولستوي طالباً منه ضرورة المشاركة، فسأل الأخير: وهل سيحضر ديستوفسكي الحفل، فأجابه تورغينيف بأن ذلك مرجح، فجاء رد تولستوي حازماً: إذاً لن أحضر، لأنه سيسرق الأضواء، وسيتحول الحفل من تكريم لبوشكين إلى تكريس لديستوفسكي.
لم يحضر تولستوي الحفل، وما توقعه حدث، فرغم الهجوم اللاذع الذي شنته بعض الصحف على مضمون خطاب ديستوفسكي، فإنه كان نجم الحفل بلا منازع.
 

المصدر 

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/B54DDD74-7083-447A-B04E-4A6309D74C16#sthash.lpyTgx1D.dpuf