رغم مرور 62 عاما على اعلان الهدنه ما بين الكوريتين الجنوبية والشمالية، الا ان البلدين مازالتا فى حالة الحرب منذ عام 1953؛ وتعيش كوريا الجنوبية فى حالة استنفار مستمر فى ظل تجيش كوريا الشمالية وتجاربها فى اطلاق الصواريخ البالستية والتفجيرات النووية وتهديداتها التى تتصاعد من حين لآخر، هذا الرعب النووى على الحدود، يقابله رعب أخر فى قلب المجتمع الكورى الجنوبى، وهو الرعب من يوم اختبار الالتحاق بالجامعات الكورية الجنوبية والذى يعقد سنويا خلال شهر نوفمبر من كل عام، وتحدد يوم 12 نوفمبر لعقد اختبار هذا العام ويوم17 نوفمبر لعقد  اختبار عام 2016.

وبينما تتحدد مكانة الفرد فى كوريا الشمالية حسبما درجة ولائه السياسى للنظام الحاكم ؛ حيث تعتمد كوريا الشمالية نظام تقييم اجتماعى يطلق عليه اسم سونجبيون SONGBUN منطلقا من تصنيف أطلقه الرئيس الكورى الشمالى الراحل كيم أيل سونج عام 1958 حيث يصنف المواطنين الى ثلاث فئات وهم الموالين والمحيادين والمناهضين، وذلك على خلفية الفرد السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومدى انتماء الاجداد والاباء والاقارب،وبناء على درجة الموثوقية؛ يتحدد للفرد مسئولياته وفرص تعليمه وتوظيفه وطعامه وسكنه وحقوقه فى المشاركه فى الحزب الحاكم.

أما فى كوريا الجنوبية، فأنها منذ نشأتها وتعانى من شح الموارد ومحدودية الارض والثروات ثم اتباعها النظام الرأسمالى التنافسى؛ ما جعلها تركز على الاستثمار فى الفرد موردا مستداما بما ينعكس ايجابيا على المجتمع اقتصادياً واجتماعياً ، ورأت أنه ليس هناك ما هو أفضل من الاستثمار فى التعليم استثماراً وطريقاً لتنمية الفرد والمجتمع، وبذا صار التعليم و درجة التحصيل هو الممر الامثل لتحديد دور وقيمة الفرد فى المجتمع ومستقبله الوظيفى والاجتماعى ؛ بل و زواجا. ولقد تخلصت كوريا الجنوبية من الامية منذ عام 1994 ، ونسبة 90 % من خريجى الجامعات والكليات يلتحقون باسواق العمل، والباقى 10 % فى دراسات عليا. ولاتزيد نسبة البطالة عن 3.5%.

ولذلك، لم تبخل كوريا الجنوبية على التعليم ففى عام 1975 وفرت له 300 مليون دولار بنسبة 14% من ميزانية الدولة، وفى عام 2012 قفزت ميزانية التعليم الى 47 مليار دولار بنسبة 16.3% من الميزانية، بينما ميزانية التعليم فى مصر عام 2012 حوالى 52 مليار جنيه بنسبة 10 % من الميزانية فى مصر وبما يعادل 8 مليار دولار لعدد 16 مليون طالب بمتوسط انفاق على الطالب 500 دولار سنويا، بينما متوسط الانفاق على الطالب الكورى فى المرحلة الابتدائية 6976 دولار، الاعدادية 6674 دولار، الثانوية 9698 دولار,

ومن روافد فلسفة وأهمية التعليم فى كوريا الجنوبية مايسرى فى ثقافة المجتمع من تعاليم كونفوشيوس وأفكار بوذا واللذان يشجعان على التعليم والاستنارة ، وكونفوشيوس (551- 479 ق.م) فيلسوف صينى، اطلق عليه اسم المفكر الكبير أو المعلم الكبير، ويعتمد نهجا تربويا ومن أقواله: "إذا عرفتم فقولوا نعرف، وإذا لم تعرفوا فقولوا لانعرف" وبوذا (563- 483 ق.م) والذى يوصى أتباعه بأتباع الطريق الثمانى:" الكلمة الطيبة، العمل الطيب، الحياة الطيبة، التفكير الطيب، العمل الطيب، الانتباه الطيب، التركيز الطيب، الفهم الطيب"

ومفهوم التعليم فى كوريا يبدا بالتربية منذ المرحلة الابتدائية، التربية من أجل الأمانة ومن أجل الحياة ذات المعنى ومن أجل التمتع بالحياة، التربية الخلقية والرياضية وتعلم الحِرَف، مع النشاطات اللاصفية، وذلك إلى جانب تعليم اللغة والحساب والدراسات الاجتماعية بما يبنى الشخصية والذات القادرة على العطاء المتميز في الحياة.

وفى عام 2012 قامت منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية OECD باجراء خامس برنامج دولى لتقيم المستوى التعليمى PISA2012 بأختبار 510 الف طالب يمثلون 28 مليون طالب فى عمر حوالى 15 عاما فى 65 دولة بثلاث مواد دراسية وهى الرياضيات والعلوم والقراءة، اضافة الى منهج الحاسوب والذى تناولته 44 دولة اختياريا،ونال طلاب كوريا الجنوبية المركز الخامس فى القراءة والرياضيات والمركز السابع فى العلوم. 

وتسجل كوريا الجنوبية أعلى معدل انتحار بين دول العالم، وفى عام 2014 بلغ معدل الانتحار فى كوريا الجنوبية 27.3 لكل 100 الف مواطن، وأحد أهم اسباب الانتحار هو الفشل فى التحصيل الدراسى أو الحصول على درجات اقل من المأمول، وفى الفترة مابين عامى (2010- 2014) كان معدل الانتحار على خلفية دراسية هو طالب منتحر كل ثلاثة ايام، وتتعدد اسباب الانتحار الطلابى، لكن الاحباط يمثل 17% والتعليم والتوظيف يمثل 12% والمشاكل الاسرية 35% . وفى عام 2014 بلغ عدد حالات الانتحار التعليمى 630 طالب من بينهم تلاميذ فى المرحلة الابتدائية.

ويمثل التعليم للشعب الكورى قضية حياة أو موت ولذا يفرض على الطلاب الكوريين الجنوبيين ان يعملوا بجد استعدادا لامتحانات الالتحاق بالجامعة، والاهتمام بالالتحاق بالجامعة وهذا ليس متعلقاً بطلاب ماقبل التعليم الجامعى بل هى قضية تشغل اطفال كوريا الجنوبية وأسرهم منذ التحاقهم باول السلم التعليمى.

وفى تقرير لهيئة الاذاعة البريطانية ذكرت امثلة لمدى الاعباء التعليمية النفسية والجسدية من خلال نموذج انجيلا كوون (18 عاما) وهي طالبه في الصف الثانوي الأخير في مدرسة داخلية بسوون جنوب سيول. يبدأ يومها الدراسي عند الساعة السابعة صباحا لينتهي عند الساعة 16,00. بعدها تلتحق بصف للدروس الخصوصية (900 يورو في الشهر) ينتهي عند الساعة 22,00 ، لتعود إلى مكتبة المدرسة الداخلية حيث تقيم لتدرس حتى الساعة الثانية فجرا. تعوض بعضا من قلة نومها عندما تعود الى منزلها بالقطار خلال عطلة نهاية الأسبوع. وقالت الفتاة ان "النوم بات نادرا جدا منذ سنوات. العديد من أصدقائي يشكون التعب... الدائم. نهرب من المدرسة مرة كل شهرين او ثلاثة للذهاب الى السينما، ولكننا نشعر بذنب كبير". وبحسب الإحصاءات الحكومية، ينام طلاب الصف الثانوي الأخير بمعدل خمس ساعات في اليوم، ويدرسون أكثر من 11 ساعة.

من جهتها، قالت كيم هي اين، وهي ايضا طالبة في الصف الثانوي الأخير في سيول، انها، مثل صديقاتها، تلبس سوارا مطاطيا تطرقه بيدها باستمرار ليبقيها مستيقظة. وأضافت الفتاة التي تأمل الالتحاق بمدرسة موسيقية تختارها، ان "الاستيقاظ صباحا بعد أربع ساعات فقط من النوم يشكل اللحظة الأصعب في اليوم. لم يعد هناك حرية في حياتي، ننام أحيانا خلال الدروس، مع المجازفة باحتمال تعرضنا للضرب من قبل الأساتذة عندما يفاجئوننا".

ويقول بارك جاي ون، رئيس مركز "فيزانغ" للأبحاث حول التعليم في سيول، ان الأطفال "يعيشون باستمرار في حالة تعب مضن، بسبب نقص النوم والاكتئاب"، مضيفا "العديد من الأهالي يدفعون أبناءهم الى الدرس، بصورة مبكرة اكثر فأكثر، لا يأخذون في الاعتبار نمو أدمغتهم، ما يؤدي أحيانا إلى إصابتهم بنقص الانتباه أو حتى الاكتئاب".

أما عالمة النفس في معهد مساعدة الشباب الكوري باي جو مي، التي يزداد عدد زبائنها عاما بعد عام، فقالت انه "في السابق، كان المشوار يبدأ في المرحلة الجامعية أو في المدرسة الثانوية. الآن، بات يبدأ منذ المرحلة الابتدائية"، مضيفة "في السابق كان الشبان يتصلون بي ليقولوا أشعر بحزن شديد أو بالاكتئاب. الآن يقولون انني أغرق، اريد أن أموت"

وأعلنت سيول في نوفمبر 2009 عن بدء إخضاع كل التلاميذ لفحص الاكتئاب، على ان تقدم المساعدة للأطفال الأكثر عرضة. والعديد من الأهالي يرفضون ان يتلقى أطفالهم المساعدة، كي لا يتم وسمهم، حسبما قال متحدث باسم وزارة التربية.

ويتصاعد توتر الكوريين الجنوبيين بلوغا لاقصى درجات التوتر في أحد ايام شهر نوفمبر من كل العام، وذلك حين عقد اختبار الالتحاق بالجامعة (اختبار صنيانج Suneung) الذى يستمر لمدة تسعة ساعات تقريبا، وفى ليلة هذا اليوم ؛ تستمر المحال مفتوحة لساعات متاخرة، وفى الصباح تهرع الأمهات إلى الصلاة في الكنائس أو المعابد طوال ذلك اليوم خلال وجود أبنائهم في قاعات الامتحان ،وهذا التوتر الشديد يجعل القوات الجوية الكورية الجنوبية تضبط جدول رحلاتها حتى لا تعطل الممتحنين. وتحرص ادارة المرور على سيولة المرور، وتستنفر الشرطة استعدادا لتلبية طلبات الطلاب والاهالى، حيث يمكن أن يصل الامر الى مصاحبة الطلاب الى أماكن عقد الاختبارات، وأمام مقار الاختبارات ،يتجمع الطلاب الصغار واسر الطلاب الكبار لتشجيع الطلاب الممتحنين.  

والهدف الأسمى بالنسبة لغالبية الطلاب هو القبول فيما تسمى جامعات إس كي واي SKY - جامعات سيول الوطنية أو كوريا أو يونسي. ويعتبر المجتمع الدرجة العلمية من إحدى هذه الجامعات الثلاث، بما يضمن فرصة توظيف فى احد الشركات الكورية العملاقة مثل سامسونج وال جى أو وظيفة فى الحكومة والقطاع العام بما يؤهل لمستقبل واعد وحياة رغدة مدى الحياة.

ومنذ استقلال كوريا الجنوبية ونظام القبول فى الجامعات فى تطور مستمر، فخلال ستون عاما، اتبعت كوريا الجنوبية ستة عشر نظام للقبول فى الجامعات، وهذا ما زاد من الضغوط العصبية والنفسية على الطلاب والاهالى،فى البداية ترك لكل جامعة طريقة القبول بها، وفى عام 1962 تقرر وضع اختبار لتحديد القدرة على التحصيل الجامعى CSAT والذى استمر حتى عام 1963 الا أنه كان بمثابة فلتر دقيق المسام للغاية مما قلل اعداد المقبولين بالجامعات، وبما يقل عن الطاقة الاستيعابية لها، وبدأ النظام الحالى اعتبارا من عام 1994 ويعد ويشرف على الاختبار المعهد الكورى للمناهج والتقييم (KICE) بحجم قوة عمل 696 خبير بمقابل 300 دولار يوميا لعضو اعداد الاختبار. وفى عام 2005 بلغ عدد الطلاب المتقدمين للاختبار 594 الف والناجحون 554 الف، ويبلغ عدد المتقدمين لاختبار 2015 حوالى 631 الف طالب. ويبلغ عدد الطلاب بالجامعات 3.5 مليون طالب.

ويوجد فى كوريا الجنوبية 43 جامعة حكومية و 180 جامعة خاصة، وتحتل جامعة سيول الوطنية المركز 31 عالميا ، والمعهد الكورى للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة بالمركز 51 عالميا، وجامعة بوهانج للعلوم والتكنولوجيا 86 عالمياً، وجامعة يونسى 106 عالمياً، والجامعة الكورية 116 عالمياً، وجامعة صين جكىن كوان 140 عالمياً

ويعتبر المدرس نجم المجتمع الكورى، فالتعليم - بالطبع - موجه نحو التعلم الأكاديمي ويتطلب إعدادًا عاليًا. وهكذا فإن مهنة التعليم ترتبط بالتقدير الاجتماعي وتفضل على المهن الأخرى، إلى جانب الاحترام الثقافي التي تحظى به. ويرى كثير من الكوريين أن الاحترام والتقدير الاجتماعي لمهنة التعليم أهم كثيرًا من المردود المادي، مما يجذب الأشخاص المؤهلين عاليًا للعمل في مهنة التعليم.

ومهنة التعليم في كوريا الجنوبية - تقليديًا - مهنة محترمة جدًا؛ وينبع ذلك الاحترام من الكونفوشيوسية وقد ورد في أقوال كونفوشيوس: "الملك والمعلم والوالدان متساوون"، وهذا يعني بوضوح أنه يجب احترام الملك والمعلم والوالدين على قدم المساواة مقابل أعمالهم النبيلة. وهذا الاحترام يلخّصه تحذير كوري قديم يقول: "إياك أن تدوس حتى على ظل المعلم". ومع أن الثقافة الكورية تغيرت جذريًا بسبب عوامل التحديث، إلاّ أن الاحترام التقليدي للمعلم ما زال باديًا في المعايير العالية التي يحظى بها الدور المرموق للمعلم في المجتمع.
وأن تكون معلما في كوريا الجنوبية يعني أنك ستدخل نادي الأثرياء نظرا لاستقطاب هذه المهنة للموهوبين والمبدعين، وهى مهنة مطمح الطلاب المتفوقين والموهوبين ذو القدرات على الخلق والابتكار فى نقل المادة العلمية وخاصة الرياضيات.
وتوفر كوريا الجنوبية المناخ للمعلم ليكون نجما ومليونيرا ويضاهي بشعبيته وبثروته المشاهير من نجوم الموسيقى والسينما. وفى حوار على الواشنطن بوست مع تشا كيل يونغ، والذي يوحي مظهره بأنه ممثل أو فنان رغم أنه في الحقيقة معلم يدرِّس مادة الرياضيات بإتقان وأسلوب ممتع ، أسس تشا قناة على يوتيوب وتركز هذه على تحضير وإعداد الطلاب لامتحانات الرياضيات للقبول في الجامعة ويبلغ دخله من التعليم 8 ملايين دولار سنويا. وأقل دخل يمكن ان يتقاضاه مدرس سنويا 30401 دولار ويمكن أن يصل الى 84529 دولار، بينما يتقاضى مدرس المرحلة الثانوية 52699 دولار سنوياً

يدرس أغلب الطلاب والطالبات الكوريين الجنوبيين بأسلوب مزدوج، فمعظمهم يحضرون الدروس نهارًا في المدرسة، ثم يتابعون تعليمهم على الانترنت في مواقع وبوابات تعليمية كتلك التي فتحها تشا لتكون قناة تواصل بعد ساعات الدوام في المدرسة، وتبلغ قيمة مواقع الإنترنت التعليمية 20 مليار دولار، وحين سُئل تشا عن سر تفوقه عن غيره من المعلمين الآخرين ردا قائلا: " اذا قدمت ذات المواد إلى 100 طاهٍ، فسترى أن كل منهم سيعد 100 وجبة مختلفة، والأمر ذاته ينسحب على مادة الرياضيات، صحيح أن كلها رياضيات لكن من الممكن أن تكون المحصلة مختلفة لدى كل معلم... لا يمكن اختزال الأمر بتدريس مادة كما هي، بل يجب على المعلم أن يكون فنانًا مبتكرا ومتعدد المواهب".