- ١ - وجها لوجه صوب الحاجز شقّ خطواته الأولى، لم تخفهُ الرصاصة فلم يكن يدرك كنه الموت بعد، و ربما كان المتراس لعبته التي استعاض بها عن ألعاب طفولته، فالمتراسُ يشبه " الليغو " و كانت نار الإطارات تلمع في عيون الطفل فتغويه مثل فراشة اجتذبتها نار حتفها، لم يتجاوز السادسة من عمره في أبعد تقدير، بالكاد قبضت أصابعه الغضة حجرا سماويا في وجه دولة المستذئبين ، و في ذهول المشهد احتقن وجه الجنود أمام الكاميرا بينما كانت الدماء تقطر من أنيابهم المعدنية، خمسة جنود في وجه طفل ينتظره الحليب الفاتر في ساعة الظهيرة المشتعلة ، خمس بنادق في نزال حجر لا يقوى اجتياز المسافة الفاصلة ، لكنه حرّك مياه الرفض الراكدة في مهجة الجريح و أحالها إعصارا و نصالا و في كل أحشاء البلاد و أنحائها
. -٢- مقلاعُ شَراكة حرّك المقلاع فوق رأسه دورتين كاملتين قبل أن يرخي لجام الحجر الجامح باتجاه حريته، وقد سمعت رفرفاته يشُقُ الهواء قبل أن يرتطم بحافلة الجند، كان ماهرا بالفطرة، حين قدّر المسافة و أخضع حساب الجاذبية لقانون الطرد المركزي، و لا أظن الطفل شراكة، أخضع التجربة لنظرية نيوتن، وكل ما في الأمر أن الطبيعة لقّنته فطرتها، فاختبأ القنّاص خلف الحافلة و وقف الطفل خلف المتراس مبتهجا بارتطام الحجر بالفولاذ ..! ربما تمتم القنّاصُ عبارة جاء دوري، حين إستلّ بندقيته الدامية و وضع قلب الطفل في وسط شارة المنظار، رصاصة واحده، كانت كفيلة بعمر الفتى، لترفعه على أكف النشيد و تضيفه زهرة أخرى الى ورد الأكاليل . و في نزالٍ مباشرٍ، بين الحياة و القتل، بين الحريّة و العبودية، بين طفلٍ لقّنته أزقة المخيّم مفردات التمرد و عاهدته الشمس بدفئها و بين دولةٍ تقنن الكره و تسنّ القتل في قوانينها، بين ضجيج الحجر الأمل و انسياب رصاصة اليأس، انتصرت صورة الطفل القتيل على صورة البندقية القاتلة .. لن أنسى صورته وهو يقف على ساقٍ واحدة، حيث تماهى جسده الصغير في انسياب راقص الباليه مع انعتاق المقلاع، ولكن من منا يذكر وجه القاتل ؟!