ما زال بعضهم بحكم العادة، او عدم القدرة على ادراك التغيرات، أو بسبب الانقطاع عن الواقع  يناقش ان كانت الحالة التي تعيشها فلسطين هي انتفاضة ام هبة عابرة ام بداية لانتفاضة.

ولا اظن ان هناك مسمى غير مسمى الانتفاضة او الهبة الشاملة يمكن اطلاقه على حالة يهب فيها الشباب الفلسطيني في كل انحاء فلسطين من القدس ومن شمال الضفة الى جنوب غزة  ومن مدن الداخل، ليعلنوا تمردهم على نظام الاحتلال والقهر والتمييز العنصري والقتل الوحشي الذي يتعرضون له.

انها انتفاضة سواء اعجب ذلك بعضهم ام لم يعجبه. وكلمة السر فيها هذا الجيل الرائع من الشباب الفلسطيني الذي لم تفسده مباهج الحياة المزعومة ولا اخمدت عزيمته منظومة القروض المكرسة لاستعباد الناس بانماط استهلاكية لا يقوون عليها،

ولم تضلله الاتفاقيات الظالمة، ولم يحبطه جهابذة و منظرو الهزيمة والاحباط والياس الذين يتكاثرون كالفطر الخبيث في اوقات التراجع.

جيل من الشباب يستعيد افضل ابداعات ابائه و أمهاته واعمامه واخواله ممن حملوا عبء الانتفاضة الشعبية الاولى التي دخلت قواميس العالم باعتبارها النموذج الارقى والأنبل للمقاومة الشعبية، وكان يمكن ان تنتج حرية واستقلالا حقيقيا لولا الوقوع في فخ اوسلوالذي نصبه الاسرائيليون بعناية لامتصاص ما حققته الانتفاضة الاولى من تغير في ميزان القوى لصالح الشعب الفلسطيني.

انها انتفاضة تفجرت عبر تراكم ارهاصات نضالية لم تتوقف لحظة واحدة منذ عام 2002، من مظاهرات مقاومة الجدار العنصري الى سفن كسر الحصار على غزة، الى حملة مقاطعة البضائع الاسرائيلية، الى بناء قرى المقاومة مثل باب الشمس واحفاد يونس الى الصمود البطولي الخارق لشعبنا في غزة امام جرائم حرب غير مسبوقة واعتداءات فاقت في دمارها ما جرى ايام الحرب العالمية الثانية.

 

انتفاضة بدت بشائرها في هبة القدس احتجاجا على حرق الفتى ابو خضير وفي التظاهرات العارمة ردا على العدوان على غزة. واكتسبت زخما وقناعة عميقة بعد جريمة حرق عائلة الدوابشة على أيدي مستوطنين وحوش ومجرمين لم يقدم اي منهم الى المحكمة، فيما جعل الفلسطيني يدرك انه اذا كان سيقتل على كل حال سواء قاوم ام لم يقاوم فالافضل ان يقاوم بكرامة وشرف.

انها انتفاضة لانها تمثل انتقالا نوعيا في الوعي والادراك النفسي وفي الواقع المعاش،انتقالا كاملا من مرحلة الى اخرى . انتقالا من مرحلة المراهنة على مفاوضات فاشلة استمرت 22 عاما دون ان تجلب للشعب الفلسطيني سوى مزيد من الذل والاستيطان والقهر والفقر والبطالة الى مرحلة ادرك فيها الفلسطنيون انهم لن يحصلوا على حقوقهم الانسانية في الحرية والعيش الكريم بكرامة الا بمقاومة الاحتلال ونظام الاضطهاد العنصري  الذي فاق نظام الابارتهايد المتوحش في جنوب افريقيا.

وهي انتفاضة انطلقت بعد اعتراف الجميع بمن فيهم صانعوه، بفشل اتفاق اوسلو الذي خرقته ومزقته حكومات اسرائيل بكل الوسائل والطرق وجعلت بنوده وملحقاتها اطواقا على رقبة الشعب الفلسطيني المثقل اصلا بقيود الاحتلال وحواجزه وجداره واستيطانه وتحوله الى نظام تمييز عنصري فاضح.

وليست صدفة ان شرارات هذه الانتفاضة الاولى جاءت من شباب القدس المتحررين من كل قيود الاتفاقات ومفرزاتها.

وليست مصادفة ان تصرفات المحتلين في المسجد الاقصى والقدس كانت القشة التي قسمت ظهر البعير، كما يقال، واشعلت اللهب الذي كانت مكوناته تتراكم طوال سنوات . كل بيانات الادانة والاستنكار، وكل المواقف الخجولة للحكومات لم تؤثر في نتنياهو الذي واصل استفزازاته في الاقصى. لكن هذه الانتفاضة ردعته واجبرته ان يظهر جزعه، و على منع وزراءه المتطرفين من دخول المسجد الاقصى، لان الفلسطينين أدركوا  ان نتنياهو لا يفهم الا لغة القوة، وما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة.

 انها ثورة من اجل الحرية والكرامة والمساواة والعدل ومن اجل حقوق الشعب الفلسطيني مثل العودة وتقرير المصير، والتي حاولوا تهميشها وتضيعيها واستبدالها برموز فارغة. ثورة قادرة على اطلاق وتوحيد طاقات الشعب الفلسطيني في كل مكان، في القدس والضفة والقطاع والداخل الفلسطيني وفي المهاجر، لتركز على هدف محدد: تغيير ميزان القوى لصالح شعبنا بالمقاومة الشعبية والكفاح بكل اشكاله وبحركة المقاطعة وفرض العقوبات وباسناد صمود الناس على الارض وبتوفير العنصر الرابع الذي ما زال مفقودا. وحدة وطنية وقيادة وطنية موحدة، ترتقي الى مستوى الابداع الشعبي والجماهري والشبابي وتضمن عدم تضيع نتائج الكفاح ونترجم الافعال النضالية الى نتائج سياسية.

هذه هي اللحظة للارتقاء بالوحدة فوق المصالح الحزبية والفئوية والشخصية وتغليب المصلحة الوطنية وانهاء الصراع على سلطة بلا سلطة، كلها تحت الاحتلال ، والتحرر من كل قيود والاتفاقات الجائرة وحدودها.

هي لحظة تعيد للشعب الفلسطيني الثقة والامل بالمستقبل والشعور بالفخر والاعتزاز، وتجسد ذلك التعبير الفذ الذي قاله احد المتضامنين مع شعبنا " ان شعبا يقاوم هو شعب لايمكن ان يهزم" .