كانت تنظر إليه بجوعٍ يتلوَّى ألماً، يعوي مثل ذئبٍ منهك، يحاول إشباع بصره المتضوِّر لرؤيته، أطبقت راحتيها فوق بعضهما على فمها كيلا تصرخ ندماً، وحرارة أنفاسها تلفح طرف أناملها، أسندت جبينها على زجاج النافذة لتسعف ثقل رأسها، ولعلّها بذلك تقترب أكثر ولو ببضعة مليميترات من ظلّه المرسوم داخل مقلتيها، بينما أخذت زفراتها تشكّل غيوماً دافئة حيث التصق أنفها بالزجاج، حينها انفجرت [سامحني، أنا آسفة!].
كرَّرَت بيأس صدِّقني آسفة، فقد كنتُ عبوةً ناسفة، كشموسٍ كاسفة، وأقمارٍ خاسفة، لكن الحياة غير ناصفة، والقُوى فيها غير مُتناصفة، والأحداث حولها متراصفة، فحتى الأحلام غير مُناصفة، وحتى الكوابيس المتراصفة، باتت وحدها الرَّاصفة، ولهذا هببتُ عليكَ كالعاصفة، لأنني مجرّد أداة واصفة، تصف الحروب القاصفة، ولذا [سامحني، أنا آسفة!].
(هي) كناية عن «أدوات الحرب»، و(هو) تشبيه بليغ عن «ضحايا الحرب»، أما (نحن) فنمثِّل «العالم» الذي فتح عينيه بأنين، وعقَّد حاجبيه بسخطٍ حزين، لئلا نسامح الشيطان اللعين، والعدو اللدود إلى يوم الدين، فلا نستهين بالدمار المهين، ولا ننسى الدم الثمين، والأمن الرهين، والجرح الدفين، كأن نتسامح ولا نستعين بالمعين، لإحقاق الحق المبين.
صرخ العالم: لقد سمعتُ نداءكِ المشين، ولكنني حذفت منه حرف السين، فسمعتكِ جيداً تقولين: [امحني، أنا آفة]!