من خلال تجربتي في توثيق وصياغة الحكايات الشعبية، من أجل الحفاظ على تراثنا من الضياع تمكنت من إصدار العمل التراثي «حزاوي أمي شيخة، أحلام الطفولة»، لكي تستفيد منه كل أسرة بحرينية وخليجية وعربية.

توثق الحكاية الشعبية حياة البشر في مرحلة معينة وطريقة عيشهم، والعلاقات التي تربطهم وتحكمهم، وطريقة تفكيرهم وسلوكهم وعاداتهم وقيمهم، والمصطلحات المستخدمة في اللهجة العامية الدارجة وعلاقتها باللغة الفصحى.

ويمكن أن نأتي على ذكر موجز لأهم الجوانب التي كشفت لنا عنها الحكايات الشعبية، وأهمها:

أولا: الواقع الاجتماعي

إننا نستشف الواقع الاجتماعي من خلال معيارين رئيسين، الأول هو الوضع الاجتماعي، والثاني هو العلاقات الاجتماعية التي أفرزها ذلك الوضع، ويمكن أن نلمس من خلال الحكايات الشعبية الوضع الاجتماعي الذي كان يعيشه الناس، حيث كانت الأغلبية تعاني من العوز والفقر وشظف العيش، ونلاحظ أن أغلب شخصيات الحكايات يكون المحرك الأول لها، ولتغيير مجريات أحداث القصة فيها هو الحاجات الأولية، مثل الحاجة إلى الطعام والمسكن الآمن، كما في حكايتي (أم الروازن)، و(حبيبة ماش يابنتي)، وتتردد كلمة (العشة) كمسكن شائع للناس في الحكايات، مما يدل على الوضع المعيشي المتدني آنذاك.

ويمكن القول إن الوضع الاجتماعي السائد آنذاك يغلب عليه الفقر، ويظهر الصراع الطبقي حادا وبارزا، إذ يمثل الحاكم أو الملك أو الوزير أحيانا قمة هذا الهرم الطبقي، في حين تمثل غالبية الناس قاعه.

وتظهر العلاقات الاجتماعية القائمة على ذلك الوضع والناتجة عنه بكل وضوح، فهي علاقات يغلب عليها التمييز والطبقية، سواء من خلال العلاقة بين الغني والفقير، أو بين السيد والعبد، أو بين المرأة والرجل، بل وأحيانا بين المرأة والمرأة، وغالبا تكون العلاقة بين كل هذه الأطراف قائمة على الصراع، إلا فيما ندر مثل قصة (البرغوث) الذي يكون فيها الملك عادلا ومحبوبا من شعبه، لذلك تبرز بوضوح مفاهيم مثل الغيرة والحسد والانتقام والثأر والاستئثار، ولكن على الرغم من حدة تناقض هذه العلاقات، إلا أنها بسيطة وواضحة وغير معقدة، فالطيب عكسه الشرير، والخير عكسه الشر، والحب عكسه البغض، وهكذا تكون العلاقة بين الأحباء في غاية الرومانسية والمثالية، وتكون بين الأعداء في غاية القسوة، فإما قاتل أو مقتول، ولا يوجد بينهما وسط.

ثانيا: العقلية السائدة

تكشف لنا القصص والحكايات الشعبية أن العقلية التي كانت تسود تلك المرحلة كانت العقلية الخرافية والقدرية، فعلى الرغم من منطقية تتابع أحداث القصة، إلا أن فيها الشيء الكثير من الخرافة والاستسلام للغيبية، فالراوي يسرد الحكاية وهو مؤمن بالكثير مما جاء فيها، والسامع يسمعها مصدقا لأغلب ما سمعه، وهناك الكثير من الأسباب لسيادة تلك العقلية، منها عدم انتشار التعليم حيث كان أغلب الناس من الأميّين، وكذلك صعوبة الحياة وشظف العيش يدفعهم إلى التخفيف منها بتلك الطريقة في التفكير أو الهروب من تلك الحياة إلى عالم الخرافة والخيال.

ومن أسباب سيادة العقلية الخرافية أيضا هو عدم معرفة الأسباب الحقيقية للكثير من الظواهر العلمية والاجتماعية، مما يدفعهم إلى تفسيرها على أساس خرافي، وغيرها من الأسباب، ونلاحظ غلبة العقلية المستسلمة القانعة الخانعة إلا في ما ندر، وإن حدث وكانت الشخصية الرئيسة في الحكاية متمردة، فإنها على الأغلب تحصل على جزائها العقابي في نهاية القصة.

ثالثا: القيم السائدة

تهيمن على تلك العلاقات الاجتماعية قيم واضحة الملامح، وتظهر التناقضات بشكل لا لبس فيه، فالرجل الظالم واضح الملامح والقيم، وكذلك المرأة الشريرة، وفي المقابل يقف نقيضيهما المرأة المظلومة الطيبة أو الرجل العادل المحب، ولا توجد بين الطرفين خطوط رمادية، فهي إما بيضاء أو سوداء، لذا يحمل الإنسان الإيجابي المبجل اجتماعيا قيم الحق والخير والجمال والعدل والفضيلة والحب والعطاء، ويحمل الشرير المرفوض اجتماعيا وأخلاقيا القيم السلبية مثل الظلم والبغض والأنانية والرذيلة، وسواء تمثل هذا الشر أو الخير في الكائن الخرافي أو في إحدى الشخصيات البشرية مثل زوجة الأب في قصتي (حمدة) و(حب الرمان) أو مثل الحاكم الظالم في حكايتي (يحّوه) و(المدق).

ويظهر الهدف الحقيقي والمخفي من الحكاية، هو الارشاد الاجتماعي والتوجيه التربوي، من خلال نقل الخبرات وتوصيل وتثبيت القيم الاجتماعية المرغوبة واستبعاد كل ما هو مرفوض اجتماعيا.

رابعا: العادات

تكشف الحكايات الشعبية لنا العادات والتقاليد في تلك المرحلة، منها ما هو مستمر ودارج حتى الآن مثل العادات المتبعة في حفل الزواج ومراسيم الحناء، أو عادات قضى عليها الزمان مثل مراسيم ختم القرآن، ومنها ما هو مطلوب ترسيخه وتثبيته، وخاصة تلك التي تتسم بالجمالية، مثل عادة نثر المشموم على العروسين، ومنها ما هو مطلوب استبعاده ومحاربته مثل أعمال السحر والشعوذة.

ونواصل في مقال لاحق ما تكشفه لنا الحكايات الشعبية من جوانب مهمة وجميلة.