بعد ليث ماجد وعبد الحليم عطّار، أتت صورة الطفل "إيلان الكردي" لتشعل ماتبقى من العالم وتضع قضية اللاجئين السوريين على جدول أولويات عددٍ من زعماء أوروبا تحديداً، وتجبر من لم يهتم بهذه القضية الإنسانية أن يهتم بها لأقصى حد، لقد قفزت الصورة من الكاميرا التي التُقطت بها إلى جميع شاشات البشر على هذا الكوكب تقريباً على اختلاف أنواعها وأحجامها ودقتها، خلال أيام شعر جميع من يقطنون على الأرض بالحزن العميق والأسى والاكتئاب وغير قليلٍ من الحنق والغضب على المتسبّبين بهذا الحادث المأساوي رغم أنه يتكرّر كل يوم في زاوية من زوايا البحر الأبيض المتوسط، إلا أن عين الكاميرا لها رأيها المسموع وكلمتها النافذة.

انتقل "إيلان" إلى الرفيق الأعلى غرقاً مع شقيقه ووالدته بينما طفت على السطح حقيقة ذات مرارة كارثية قرأها كل ذوي الألباب، لقد انحدرت إنسانيتنا للحضيض الذي لا عمق بعده، فمن يستطيع أن يهنأ بعيشه وهو يرى الأطفال تموت ظلماً من الرعب أو الغرق أو طرق الموت الأخرى ؟ أي إحساسٍ مخزٍ بالحياة ونحن نرى احتمالات الموت تتربّص بالمئات كل يومٍ وكل ساعة وهم يدركون جيداً خطورة مايفعلون لكن لا خيارات لديهم سوى استنفاد الأمل وطرق أبواب الحظ وجرأة مواجهة النهاية ؟

لقد تابع الجميع حالة الغليان الإعلامي والهياج الشعبي وحزمة القرارات والقوانين التي ظهرت تحت وطأة الضغط الشديد، إنها صرخات صور الوجع المتتالية التي لم تدع مجالاً للتجاهل أو ادعاءات الصمم ! لقد أصبحت صورة "إيلان" رمزاً عالمياً لعار الكبار الذي يدفع ثمنه الأطفال أرواحهم البريئة الطاهرة، غدت صورة أيقونية تمدّدت بحجم الكرة الأرضية، فهناك عشرات الفنانين الذين نحتوها على شواطئ البحار منهم في الهند ومنهم على شاطئ غزة في فعالية إنسانية راقية لشعبٍ أصيل يشعر بآلام غيره رغم آلامه القديمة المتجدّدة حملت عنوان "الإنسانية لا تموت" وأنا من كل قلبي أشاركهم هذه الأمنية التي أصبحت في غاية الصعوبة.

لقد باتت كل التفاصيل التي تخص الحياة القصيرة لهذا الطفل هدفاً لوسائل الإعلام العالمية، فهنا لعب وهنا ركض وهنا مشى وهذا ماحصل معه قبل الحادثة وخلالها، لقد أثارت قصته المأساوية ضمائر كل البشر بطريقة لن يحتملوا تكرارها كثيراً.

هذا ما يحصل عندما تصرخ صورة بصوتٍ يصمّ آذان الوجدان العالمي، هذا ما يحدث عندما تتوالى المآسي بينما لا تخجل العدسات من رصدها ونقلها لتراها كل العيون وتشعر ببشاعة علاقة البشر مع الإنسانية والتي وصلت وتجاوزت مرحلة اللا معقول.

فلاش

في الماضي والحاضر والمستقبل، الصورة قادرة على تغيير مسار العالم