تتبوأ دولة الإمارات مكانة التميز والارتقاء في مختلف المجالات، إذ إنها حضارات عريقة منذ الأزل، وذلك لاحتوائها لأهم العناصر المكوّنة للرقي، من شعبٍ وفيّ وإقليمٍ غنيّ وحكومةٍ رشيدة.

بالإضافة إلى الثقافات المتنوعة والحضارات المشتركة، وعليه فإن هذا الشعب يتمتع بالكثير من المقوّمات الأخلاقية المغروسة في نفوسهم، والمُستقاة من خبرات جدودهم وآبائهم، فهم يتحلّون بالكرم والجود والعزة والشهامة والمروءة غير المعهودة، يحبّون وطنهم الّذي لا يبخلون عليه في بذل أرواحهم فداءً له، ويقدّرون قيادتهم وحكامهم وما يقدمونه لهم ليعتلوا مكانة مرموقة بين جميع الدول، ليصبح شيوخنا مضربَ الأمثال وقدوةً يُحتذى بهم لجيلٍ وأجيال صاعدة.

وما أحلى وما أرقى أن نرى من خلال اللقطات التي يتداولها الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي قادها وأدار فنّها سمو الشيخ عبدالله بن زايد وزير الخارجية، لقطة عندما وقف وهو منتظر شقيقه الأكبر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولى عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ليُنهي ركعات النّوافل بعد صلاته، حاملاً له نَعله منحنياً ليضعه أمامه بكل تواضع جمّ وأدب مرموق، فأي بروتوكول دبلوماسي يحكم على رجل دبلوماسي أن يقوم بمثل هذا التصرف، إلا أن ذاك الخلق الرّفيع الذي تربى وترعرع ونشأ عليه، ليصنع هذا الدبلوماسي بروتوكولاً استثنائياً خاصاً برجل استثنائي، يُدرج تحت عنوان التواضع والأخلاق وعظمة التربية، فهذه السلوكيات كأنها بذور تُغرس في أرض الإمارات لِتُنبت أشجاراً تُناطح أعالي السّحاب وليشهد التاريخ ويسجل الزمن أن دولة الإمارات ليست دولة عمارات كما ينعتها البعض ولكنها دولة ثقافة وأخلاق وحضارات. فرحم الله الأب الذي ربّاكم وأنبتكم النّبات الحَسن والدنا المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وعاشت الأم التي غرست بكم معاني القيم، وأنشأتكم على السّمو والرقي أمُّنا الشيخة فاطمة بنت مبارك حفظها الله «أم الإمارات».

وليس هذا بالغريب على حكامنا وشيوخنا، فأي قيادةٍ في العالم تلك التي تَشعر بآلام وأوجاع الآخرين وتُراعيهم وتقف إلى جانبهم، فأيّ رئيس يُقبِّل مُستقبليه على أكتافهم، وأي زعيم يحتضن رجلاً عجوزاً ليقبّله على رأسه، وأي قائد يتنقّل بين بيوت النّاس ليُعزيهم ويَشُدّ من عضدهم وأزرهم، وأي شيخ مسؤول مرموق يذهب لامرأة عجوز كي يعتذر منها، بسبب الغُبار الّذي تطاير من دوران مروحة طائرته «الهيلوكبتر».

نِعم وألف نِعم النموذج من التربية السليمة والأخلاق الرّفيعة الشأن، التي يجب أن تكون مثالاً وقدوة حَسنة يُحتذى بها على مرِّ العصور والأزمان، فلا نخاف على أجيالنا القادمة بما أنّهم يعيشون تحت كنَفهم ورعايتهم ومحبتهم، فبعد أن قامت النّاس بتقليد الشّيوخ بسيّاراتهم، وأرقامهم، وفخامة أسلوبهم المعيشي الرَّغيد، ورقيّهم بتصرّفاتهم والتي كانت ظاهرة لهم، واتخذوا من سُلوكهم الرّياضي المفيد لِصحتهم عنواناً لحياتهم، كركوب الخيل، والدراجات، والقنص، وصولاً لليولة ذاك الفن الحربي التراثي.

إلاّ أنهم اليوم قد ضربوا مثالاً للأخلاق ومازالوا يضربون، عندما تناقلت وسائل التّقنية الحديثة حسن تربيتهم، دون تصنُّع أو رسم أدوار تمثيلية أو مجرّد عملية اكتساب وحفظ للمكانة، فمكانهم محفوظ ومرموق في قلوب الإمارات وشعبها والمقيمين عليها والزائرين لها، فكانت هي ترجمة واقعية بكُل ما تُمليه عليه نُفوسَهم ، فهذا هو دَيدَنَهُم ومعدنهم.

فبحق نحن أسعد شعب، بتواضع شيوخنا الذي لا يُضاهى، كالقناديل المُضيئة تَشُعّ خيراً وأملاً ومحبةً، لِتُنير دربَنا، وتُدفء قلوبنا بسناها، دون أن ننسى وصيّة التواضع التي أوصانا بها والدنا المغفور له الشيخ «زايد بن سلطان آل نهيان »، طيب الله ثراه، بقوله: «أكبر نصيحة لأبنائي البُعد عن التكبُّر، وإيماني بأنّ الكبير والعظيم لا يُصغره ولا يضعفه أن يتواضع ويحترم الناس أكثر مما يحترمونه»، وبالفعل كان ذلك ومازال من خلال مشاهدتنا لحكامنا وهم يُشاركون شعبهم فرحهم وحزنهم دون تكبُّر أو تعالٍ، ليمدّون يد العون لكل غني وفقير محتاج دون تراخٍ أو تقصير، مع ممارستهم لحياتهم الطبيعية دون تكلُّف أو زيادة وكأنّهم أُناسٌ عاديّون، وهم بالفعل كذلك، إلاّ أنَّهم استثنائيون فيبقون من أصحاب الرِّفعة وسِّمو الشأن، متّخذين قوله تعالى { وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض مَرَحًا إِنَّك لَنْ تَخْرِق الْأَرْض وَلَنْ تَبْلُغ الْجِبَال طُولاً}، مبدأً، لنزداد فخراً بهم واحتراماً لهم.

فعلينا ألاّ ننسى ذلك المشهد البروتوكولي المرسوم بأحلى صورة وأبهى حُلّة بريشة خطّها سمو الشيخ عبدالله بن زايد بأخلاقه الّسامية، ليبقى مغروساً في عقولنا وأنفسنا، ونعلّمه لأبنائنا لكي ينتهجوه مع آبائهم وإخوانهم الكبار.

هنيئاً لنا بشيوخنا وندعو المولى الكريم أن يحفظهم ويرعاهم من كل شر وأذى.

المصدر البيان

http://www.albayan.ae/opinions/articles/2015-09-15-1.2459452