آسيا قارة استثنائية هى الأكبر مساحة وسكاناً وتنوعاً عقائدياً؛ وهى القارة التى عصفت بها الحرب العالمية الثانية؛ أعنف حرب وحشيةً واتساعاً فى تاريخ البشرية، وكلما أوغلت فى آسيا كلما اكتشفت العجائب والغرائب، ربما يكون نموذج الحكم الديكتاتورى فى كوريا الشمالية من بين هذه العجائب، نموذج يفرض على الشعب كيف تكون حلاقة شعر الرأس سواء للرجل أو المرأة !

وهى القارة التى تكن احتراماً كبيراً للمرأة ؛ وبدى ذلك فى تقديمها لتولى الرئاسة فى كثير من الدول، كما تتسم دولها بأعتياد ظاهرة التوريث العائلى الديمقراطى للرئاسة، فى الهند؛ راجيف غاندى والدته أنديرا غاندى والدها جواهر لال نهرو ، وباكستان؛ بنازير بوتو والدها ذو الفقار على بوتو ، وسنغافورة؛ الرئيس الحالى لى هسين لونغ  والده لى كوان يو ، وبنجلاديش؛ الرئيس الحالى شيخه حسينه واجد والدها الشيخ مجيب رحمان ، والفلبين؛ الرئيس الحالى بنيغو آكينو والدته كوارزون آكينو، واندونسيا؛ ميجاواتى سوكارنو بوترى والدها أحمد سوكارنو.

الموقف فى شبه الجزيرة الكورية متباين وملغم للغاية مابين الكوريتين الشقيقتين المتناحرتين فكوريا الشمالية يحكمها نظام ديكتاتوري على مدار ثلاثة اجيال ورئيسها الحالى الديكتاتور كيم جونغ أون والده كيم جونج ال وجده كيم ال سونج ، أما كوريا الجنوبية؛ ترأسها حاليا السيدة باك غن هى (2013- …) ابنة بارك شونغ هى (1962- 1979) .”بارك شونغ” هو الرجل العسكرى الذى قاد انقلابا عام 1961 والذى وصف بالديكتاتور الا انه وصف ايضا بانه رائد نهضة كوريا الجنوبية.

أما الابنة “باك غن” ، فهى سياسية مخضرمه وتولت الرئاسة تحت مظلة نظام ديمقراطى بدأ منذ عام 1987 ، وقد ترشحت لانتخابات الرئاسة عن حزب ساينورى بنسبة حوالى 84% ، أما منافسها مون جاى أن فقد ترشح عن الحزب الديمقراطى المتحد بنسبة تأييد حوالى 57% ؛ وفازت أبنة الديكتاتور فى انتخابات عام 2012 بنسبة 51.6 بالمئة مقابل منافسها الذى حصل على 48.02 بالمئة ولتصبح باك غن أول أمرأة فى تاريخ كوريا الجنوبية تتولى حكم البلاد واول من يفوز بهذه النسبة والتى لقبت بــ”ملكة الانتخابات”.

ورحلة كوريا الجنوبية من محطة الاب الديكتاتور الى محطة الابنة الديمقراطية على مسافة خمسون عاما ،وقبل اطلالة على محطات الرحلة، نطرح بعض المفارقات ما بين محطتى القاهرة وسول ، فمصر قد شهدت بداية تدشين انطلاقة كوريا الجنوبية باعلان القاهرة فى نوفمبر 1943 ، ذلك الاعلان الذى حدد مستقبل كوريا بعد الحرب العالمية الثانية.

وتبلغ مساحة كوريا الجنوبية حوالى 100 الف كيلومتر مربع ومصر حوالى مليون كيلومتر مربع ، عدد سكان كوريا ج 49 مليون نسمة ، بينما مصر 88 مليون نسمة لكن قوة العمل فى البلدين متقاربتبن؛ فى كوريا ج 26 مليون وفى مصر 28 مليون . وبحلول عام 2004 تجاوز الناتج المحلى الكورى الترليون دولار وفى عام 2014 بلغ 1.41 تريليون دولار بينما مصر 286 مليار دولار ، وبين اكبر 500 شركة عالمية 17 شركة كورية ج، وايرادات شركتى سامسونج (209 مليار دولار) وهيونداى (79 مليار دولار) يفوق الدخل القومى لمصر!

ومتوسط انتاجية المواطن الكورى ج حوالى 35 الف دولار سنويا وفى مصر حوالى 11 الف دولار سنويا،نسبة البطالة فى كوريا ج 3.1 % وفى مصر 13.4 % ، والصادرات الكورية 572 مليار دولار فى المرتبة السابعة بين دول العالم، أما مصر فصادراتها 27 مليار دولار فى المرتبة السبعون !

نعود الى لقطات من رحلة كوريا ج، وهى رحلة بدأت بمحطة التخلف وسريعا ما لحقت كوريا ج بمحطات التقدم ، رحلة دولة فقيرة لاتملك اي موارد ، رحلة دولة كان مواطني شعبها “يحلقون شعورهم الناعمة ليبيعوها باروكات للاغنياء” ، رحلة دولة تعرضت لاحتلال ياباني دموي وحشي وتعرضت لحرب اهلية طاحنة ومدمرة 1951- 1953،انتهت هذه الحرب الي التقسيم فى ظل تدخلات دولية خارجية من القوى العظمى آنذاك، دولة انتقلت من نظام حكم استبدادي ذو قبضة حديدية الى نموذج لدولة ذات نظام ديمقراطى واقتصاد قوى متطور وتنعم بمستوي تكنولوجي وتعليمي وعلمي راقي.

خضعت شبه الجزيرة الكورية للاحتلال اليابانى اربعون عاما ، وفى عام 1945 ؛ حصلت كوريا على استقلالها بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية على يد الحلفاء. ومباشرة بعد استقلالها، أصبحت شبه الجزيرة الكورية مسرحًا للصراع بين المعسكرين الغربي والشرقي، فتم تقسيم كوريا إلى دولتين واحدة في الشمال خاضعة للقوات السوفيتية، وأخرى في الجنوب تابعة للقوات الأميركية. وكانت كوريا الجنوبية حين تأسيسها واحدة من أفقر دول العالم؛ لم يكن دخل الفرد فيها يتعدى 80 دولارًا في السنة، وتعاني من دمار اقتصادي وفوضى سياسية، وجاءت الحرب الكورية سنوات 1950-1953، لتُلحق دمارًا شاملا. وبلغ عدد ضحايا الحرب 1.3 مليون كوري ج، من بينهم حوالي 400.000 ألف قتيل. وتراجع دخل الفرد إلى حوالي 50 دولارًا سنويًا، وأصبحت كوريا ج تعيش على المساعدات الخارجية بشكل كامل.

بينما مصر فى ذاك الوقت، كانت تدين بريطانيا بما يوازى حاليا 29 مليار دولار، بل أن الولايات المتحدة تقدمت الى مصر تلتمس منها تقديم معونة الى اليونان وايطاليا ، وكانت نسبة البطالة فى مصر حوالى 2 % ، وسعر الجنيه الذهب يعادل 98 قرشا ، بينما قيمة الدولار 25 قرشا

مرحلة الرجل الديكتاتور بارك شونغ هى

وعانت كوريا الجنوبية من اضطرابات اقتصادية وسياسية فى ظل رئيس جمهورية مدنى، فقام العقيد “بارك تشانج هي” في مايو 1961 بانقلاب عسكرى، وتعيين قائد الجيش رئيسا للبلاد، الا انه اطيح به بعد شهرين وتعيين “بارك” رئيسا للمجلس العسكري و رقى الي رتبة الفريق.وأصبح “بارك” هو المنوط به القيام مهام رئيس الجمهورية وقام بتشكيل “الحزب الجمهوري الديمقراطي”.

خلال فترة بارك، استخدم الرجل كافة انواع ادوات القمع التشريعية والسياسية والامنية. وفى عام 1974؛ تعرض لمحاولة اغتيال مما أدى الى مصرع زوجته، واصبحت أبنته بمثابة السيدة الاولى ، وانتهت مرحلة بارك باغتياله في 26 اكتوبر 1979 على يد رئيس المخابرات وعضو المجلس الثوري العسكري الذى تم اعدامه وأعوانه.

لكن فى ظل الحكم الديكتاورى لـ “بارك ” ، شهدت كوريا ج نهضه اقتصادية غير مسبوقه ، وفي عام 1999، أعلنت مجلة تايم عن اسمه كواحد من أفضل عشرة “آسيويين في القرن العشرين”وأطلق على مرحلته “معجزة على نهر هان كانج”

وفى ظل ديكتاتورية بارك؛ ارتفع الناتج الإجمالي المحلي من 4.1 % سنة 1962 إلى 9.3% سنة 1963 وحافظ معدل نمو يزيد عن 8% في السنوات التالية. وقام بتشجيع دور الشركات العملاقة وتسخيرها لخدمة الأهداف التنموية. وتمكنت الشركات العملاقة من المشاركة في مخططات التنمية الاقتصادية والصناعية المخططة ، واستهدفت في البداية الصناعات الخفيفة مثل الإسمنت والأسمدة والكهرباء. ونتج عن هذا التعاون توسع كبير للشركات ونمو كبير في حجم الصادرات الكورية من الصناعات الخفيفة، خصوصًا النسيج والملابس الجاهزة.

ومع بداية السبعينيات، وقد واجهت كوريا ج تحديًا جديدًا يتمثل في المنافسة الشرسة مع دول صاعدة استطاعت تطوير صناعاتها الخفيفة مما فرض على كوريا التحول نحو إنشاء قطاعات جديدة تستطيع المنافسة على الصعيد العالمي. وجاء المخطط الاقتصادي الخماسي الثالث ليعطي الأولوية لإنشاء الصناعات الكيماوية والثقيلة. ولإنجاز هذا المخطط تم إنشاء العديد من مدارس التكوين المهني ومعاهد تكوين المهندسين والعلماء، وألزمت الدولة الشركات الصناعية الكبرى بتدريب مستخدميها.

وتم تركيز جهود الدولة لتطوير هذه الصناعات حيث تم إنشاء لجنة لتطوير الصناعات الكيماوية والثقيلة، وأنشئ صندوق الاستثمار الوطني الذى استفادت منه صناعات مثل بناء السفن والبتروكيماويات والصلب من إعفاء ضريبي كامل خلال السنوات الثلاث الأولى، وتكفلت الدولة بتجهيز المناطق الصناعية وربطها بشبكة الطرق والماء والكهرباء. وبحلول 1992، حققت هذه الصناعات نجاحًا كبيرًا في الأسواق الخارجية . وحافظت كوريا على معدلات نمو مرتفعة حيث ركزت خلال فترة الثمانينيات وبداية التسعينيات على الاستثمار بكثافة في البحوث والتطوير وعملت على تطوير قدراتها التكنولوجية وتحسين تنافسية منتجاتها، مع الانفتاح على الخارج وتحرير سوقها المالي.

مرحلة رجال ونساء كوريا الجنوبية

في عام 1997، انهار الاقتصاد الكوري بعد الأزمة المالية الآسيوية وواجهت كوريا تحديًا هو الأكبر من نوعه؛ فقد تراجعت أرباح الشركات إلى الصفر وارتفعت الديون وانهار قطاع الصادرات والنظام المالي للدولة وغادرت الاستثمارات الأجنبية البلد. وبروح الانتماء تقدم الكوريون بمبادرة ذاتية بالتبرع بالذهب والمجوهرات لصالح الدولة ، ولتجاوز الأزمة تخلّت الدولة عن دورها التنموي وأدخلت إصلاحات لتحرير اقتصادها وتحويله لاقتصاد السوق.

واستطاعت كوريا أن تتعافى بفعل تنشيط قطاع الصادرات عبر تخفيض قيمة العملة الكورية وحزمة الإصلاحات المالية التي أدخلتها الحكومة، أضافة الى حزمة الحوافز التي أطلقتها في مرحلة ما بعد الأزمة. ثم واصلت كوريا تقدمها، وبدأت تراهن على تكنولوجيا المستقبل خصوصًا تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الخضراء، لمواصلة نموها وتقدمها نحو القرن الحادي والعشرين.

وقد لعبت اليد العاملة الكورية دورًا حاسمًا في إنجاح التجربة التنموية الكورية، ففي ظل غياب الموارد الطبيعية وضيق المساحة الجغرافية وشُح رأس المال، راهنت القيادة الكورية على رأس المال البشري كمورد للتنمية. فاستثمرت بكثافة منذ البداية في التعليم ومدارس التكوين المهني، لتطوير إنتاجية عمالها وتحسين مهاراتهم لمواكبة التطورات التكنولوجية التي واكبت عمليات التصنيع السريع. وهكذا ارتفعت نسبة الإنفاق على التعليم الي حوالي 23 % من الميزانية بحلول الثمانينيات. كما أولت الدولة التدريب والتكوين المهني اهتمامًا كبيرًا مع التركيز على العلوم والتكنولوجيا، وعملت الدولة على ابتعاث عدد كبير من الطلبة والموظفين للدراسة والتدريب.

مرحلة المرأة الديمقراطية بارك غيون هاي

في فبراير عام 2013 ، يبدو نجاح بارك الاقتصادي كان بمثابة كارت تعزيز لانتخاب “بارك غيون هاي” رئيسة لكوريا الجنوبية، لم يحول كونها ابنه الديكتاتور السابق بارك ، لتصبح أول امرأة تصل إلى سدنة الرئاسة في هذا البلد الآسيوي، والتي تعهدت بعصر من “السعادة والامل” فالاب بارك ارتبط تاريخا في ضمير الكوريين بطفرة نجاح اقتصادي غير مسبوقة.

وتعهدت بالعمل على انعاش الاقتصاد وإصلاح النظام التعليمي واستعادة الثقة بين الكوريتين. وقالت في خطاب تنصيبها، الذي ألقته أمام حشد يضم حوالي 70 ألف شخص تجمعوا أمام البرلمان لمشاهدة المراسم، إن “الإدارة الجديدة ستبدأ عهدا جديدا من الأمل يرتكز على انعاش اقتصادنا وهناء شعبنا وازدهار ثقافتنا”. وتعهدت بالقضاء على “الممارسات غير العادلة” التي تخنق نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وإصلاح النظام التعليمي لإتاحة مجال أرحب للإبداع وتنمية الثقافة.
كما بعثت بارك، الذي جاء تنصيبها في أعقاب تجربة نووية أجرتها جمهورية كوريا الديمقراطية والشعبية وقوبلت بتنديد واسع، برسالة تحذير إلى الجارة الشمالية التى تطاول رئيسها بوصف بارك بالعاهرة، وذكرت أن “التجربة النووية التي أجرتها كوريا الديمقراطية مؤخرا تعد تحديا لبقاء الشعب الكوري ومستقبله، ولا نخطئ عندما نقول إن أكبر ضحية لذلك لن تكون سوى كوريا الديمقراطية نفسها”. وأضافت قائلة “احث كوريا الديمقراطية على التخلى عن طموحاتها النووية دون تأخير والشروع في المضى على طريق السلام والتنمية المشتركة”.

وجدير بالذكر أن بارك الابنة قد واجهت مؤخرا موقفا متأزما مع كوريا الشمالية فى اعقاب انفجار لغم ارضى مما أدى الى اصابة جنديين كوريين جنوبين ، فأشتعلت المواجهة حالة المواجهة بين الكوريتين واستنفرت قواتهما ، وعادت حرب مكبرات الصوت الدعائية التى تنتهجها الجنوبية، وصب الرئيس الكورى الشمالى جام غضبه على بارك واطلق عليها الداعرة واوباما القواد. وهدأت الجبهتين بعد مفاوضات ماراثونية بينهما!

وكانت باك قد أكدت تعهدها بالسعى لإجراء “عملية بناء ثقة” بين الكوريتين “لإرساء الأساس لعهد من التوحيد المتناغم”. وذكرت بارك أن “الثقة يمكن أن تبنى عبر الحوار والإلتزام بالوعود التي قطعت بالفعل. وآمل في أن تلتزم كوريا الديمقراطية بالأعراف الدولية وتتخذ الخيار الصحيح حتى تمضى عملية بناء الثقة في شبه الجزيرة الكورية قدما”.

المصدر

http://www.akhbarak24.com/articles/2015/08/29/167692-%D9%85%D8%B9%D8%AC%D8%B2%D8%A9-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%AF%D9%8A%D9%83%D8%AA%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%B1%D9%8A