الكتاب صدر عن دار ابن رشد – مصر في 110 صفحة من القطع المتوسط، وتتصدره عبارة للكاتبة فاطمة المرنيسي من كتابها: "شهرزاد ترحل إلى الغرب" عن زيارة طريفة قامت بها لزيارة المتحف مع مثقف فرنسي مهووس بلوحات الحريم، وتأملاته وأحلامه وهو يجلس متخيلاً نفسه سلطاناً يحطنه، وحديثه بأنه كان واثقاً أنهن لن يهربن لأنهن كن عرايا، وأيضاً نظرته الاقتصادية للموضوع بأن الإنفاق على امرأة لا تشتري أثواباً تجعلك تدخر أموالاً كثيرة.!! 
وفي المقدمة يقرر الشيخ أن صورة الشرق في المخيلة الغربية تأثرت إلى حدٍّ بعيد بما أنتجه المستشرقون، فهم "وصفوا الشرق باعتباره مؤنثاً، ثرواته خصبة، ورموزه الأساسية هي: المرأة الشهوانية، والحريم، والحاكم المستبد". ومن هذا التأثير الكبير للجنس في تاريخ الاستشراق ظهر مصطلح: "الاستشراق الجنسي"، وهو تعبير مُحدَث يفتح الباب أمام عوالم من الأفكار والأسئلة والخبرات التي تمتد لقرون في تاريخ الاستشراق. وهو بالقدر نفسه يفتح الباب أمام تأمل الصلة، التي لم تكن بهذا الوضوح قبلاً، بين الجسد والسياسة، وربما أيضاً، الجسد وصورة الذات والآخر في الذهن الغربي (وهو تعبير فيه كثير من التجاوز لوجود عدة أنساق ثقافية تحت مظلة ما يسمى: الغرب).
    وقد اتسعت عباءة الاستشراق لتشمل الجنس بعد أن كان في الغالب مهتماً بالقضايا الدينية وما يتصل بها، بدءاً من تقديم ترجمات أكثر دقة – على الأقل في حدود ما هو معلن – للقرآن الكريم، ولاحقاً اتسعت الدائرة لتشمل كل ما يمكن اعتباره مهماً في المكتبة العربية. 
في الفصل الأول: "من الاسشراق إلى الاستشراق الجنسي" يتناول المؤلف ظاهرة الاستشراق وحدود المصطلح المثير للجدل، في اللغة والتاريخ. ويتناول في الفصل الثاني: "الرومانسية والاستشراق الجنسي" المدرسة الرومانسية في الفكر والفن التشكيلي وصلتها بظهور ما يسمى: "الفن الاستشراقي"، حيث البحث في أسس الظاهرة لا يمكن أن يتم إلا من خلال البحث عن أطر الاستشراق السياسي/ الاقتصادي وجذوره، إذ يشكل المنطلق الأساسي للعلاقة بين الشرق والغرب تاريخياً. وهناك خصوصية الفكر الرومانسي بوصفه مذهباً يتصف بـ "الشمول" ما يجعله يضم شتى حقول المعرفة، وهو – بهذا المعنى –منظومة فكرية فكرية منفتحة على بعضها وفقاً لهذا المنطق "الكوسموبوليتي" (أي الكوني). وقد انعكست هذه الخصوصية على علاقة الرومانسيين بالشرق والموضوع الشرقي. وقد كان "الجسد الأنثوي" المكون الأكثر حضوراً ودلالة في رسومات المستشرقين. وإذا أخذنا المكتبة البريطانية نموذجاً، فمن الصعب أن نورد هنا الكم الهائل من الدراسات النقدية والتاريخية معظمها بالإنجليزية التي تناولت صورة "الحريم الإسلامي" في الوعي الغربي الاستشراقي وبخاصة في الفترة العثمانية. ويشير المؤلف إلى الكتاب البارز لمالك علّولة "الحريم الكولونيالي" (1986) وهو تجميع للصور الفوتوجرافية التي أخذها الفرنسيون في أوائل القرن العشرين لنساء مسلمات جزائريات ومغربيات بلا اسم، تمت تعريتهن جزئياً وتحويل هذه الصور إلي "كروت بوستال" لإرسالها إلي ذويهم في فرنسا دون أظرف، وهو التجسيد الأمثل للرغبة الاستشراقية في استباحة المرأة المسلمة وتعريتها، وجعلها هدفاً للنظرة المختلسة المتلصصة، إضافة إلي اعتبارها رمزاً للإسلام نفسه وجعله متاحاً مستسلماً. ولعب أدب الرحلات دوراً كبيراً في بناء صورة الشرق المتخيل فقد كان الشرق مرتعاً يتيح للمرء تجربة جنسية لا يمكن تحصيلها في أوروبا.
الفصل الثالث: "الاستشراق الجنسي" يتناول فيه المؤلف بلوغ التأثير الشرقي مداه بعد سقوط القسطنطينية 1453م، وحالة الولع بما هو "تركي" في باريس، وكيف شكلت الكتابات والأحكام والأوصاف والمفاهيم التي كونها الرحالة الأوربيون القاصدون الأصقاع العربية الإسلامية كثيراً من الرؤية الغربية عن الشرق العربي.
وشكل وصول محمد علي باشا إلى حكم مصر 1805م، وانفتاحه على فرنسا نقطة تحول في فتح أبواب مصر/ الشرق أمام عشرات الكتاب والفنانين الأوربيين (بلغ عدد الفنانين والرسامين الفرنسيين فقط الذين زارو الشرق في النصف الأول للقرن التاسع عشر حوالي 150 فناناً). ما ساهم فى تفعيل "الموضوع الشرقي" وفنونه فى المدرسة الفنية الفرنسية، ما تجلي فى وجود مئات اللوحات الشرقية التشكيلية فى متحف اللوفر بباريس وصالوناتها. كما نجد بصمات "السحر الشرقي" بادياً علي جدران الأكاديمية الملكية بلندن، وفي بعض ملامح الفن المعماري في عواصم أوربا. وركزت أغلب اللوحات الفنية التي رسمها المستشرقون على أفكار وتنميطات ذهنية خاطئة بقيت راسبة في قعر العقل الغربي حتى اللحظة. وقد بالغ هؤلاء الرسامون في تصويرات حياة القلة من الميسورين الذين كانوا يمارسون عادات تعدد الزوجات واقتناء العبيد والإماء والقيان. كما أنهم راحوا يبرزون التصويرات الغرائبية كالتصويرات التي تمثل السحرة والمشعوذين والمتصوفة والدراويش. وكان التركيز على هذه الجوانب من الحياة العربية الإسلامية بدرجة من المبالغة يجعل الناظر عاجز عن الإفلات من الانطباع السائد بأن عالم الشرق يمور بمثل هذه النماذج البشرية غير الطبيعية، عالم ساحر ومسحور، عالم فالت من الزمن، يطفو فوق هذا الزمن بلا أدنى تقدير لقيمته. 
في الفصل الرابع: "الاستشراق الجنسي والنقاب" يرصد المؤلف صلة الظاهرة بأجواء الحرب على الزي الإسلامي (الحجاب والنقاب) في أوروبا. فوراء الرفض الواضح للحجاب والنقاب أبعاد ثقافية واعية في الفكر الأوروبي تدفع باتجاه الرغبة في "استئصال" الزي الإسلامي كونه علامة على ما يعتبرونه قهراً للجسد الأنثوي.
في الفصل الخامس: "فرنسا نموذجاً للتمثيل الجنسي للاستعمار" يستعيد المؤلف ما كتبه الطبيب المناضل فرانز فانون – ابن جزر الأنتيل – في كتابه "سوسيولوجيا ثورة"، تحت عنوان: "الجزائر تلقي الحجاب" من تحليل لهذه العلاقة، عبر تجربة الاحتلال الفرنسي للجزائر الذي يمثل المواجهة الأكثر عنفاً بين فرنسا والإسلام. ويروي فانون كيف تحول الحجاب إلى معركة ضخمة عبأت قوى الاحتلال من أجلها أغزر الموارد وأكثرها تنوعاً، وأظهر فيها المستعمر قوة مذهلة. 


الكتاب: الشرق... المؤنث الأبدي: "الاستشراق الجنسي" والحرب على النقاب
المؤلف: ممدوح الشيخ
الناشر: دار ابن رشد – مصر
الحجم: 112 صفحة من القطع المتوسط
سنة النشر: 2015