أكثر من 700 مليون إنسان، أي ما يعادل نحو 10% من سكان العالم، "عسريو اليد"، ومفردها أعسر وعسراء، وجمعها عُسر وعسراويون وعسراوات، وبالدارجة "أشول" أو "شمّالي". وترتفع النسبة في بعض البلدان، حيث تتصدر هولندا دول العالم في أعداد العُسر، الذين تصل نسبتهم في هذه الدولة إلى 13% من السكان.
وعانت هذه الفئة من الناس، على مر التاريخ، من التمييز الجائر والتطيّر بسبب المعتقدات الخاطئة والنظرة الدينية، وتعرضت لممارسات شتى من الانتقاد والتوبيخ، والإيذاء الجسدي، ما أدى سابقاً، بل وحتى يومنا هذا، إلى شعور الكثيرين من أصحاب هذه "الميزة" بالذنب والنقص، وإصابتهم بعقد نفسية واضطرابات سلوكية أثرت سلباً على مسار حياتهم.
تبدأ الانتقادات للعُسر وهم في سن مبكرة، ما يؤثر على نموهم الفكري والعاطفي، وتتصاعد إلى استخدام العنف والممارسات القسرية، مثل التعنيف اللفظي وربط اليد اليسرى إلى الخلف لإجبار الطفل على استخدام يده اليمنى في المأكل والمشرب والكتابة وغيرها من المهام اليومية.
وإذا ما لقي الطفل الأعسر تفهّماً داخل العائلة، فإنه يصطدم فيما بعد بمؤثرات خارجية. فقد يُقابل عند خروجه إلى المجتمع بالرفض والعزل من أقران يرون فيه عيباً. أما عند الالتحاق بالمدرسة فقد "يحظى" بعضو في هيئة التدريس ينظر إلى "هذه المشكلة" على أنها "الطامة الكبرى"، ويبدأ "جهوده المباركة" حاثاً الأهل على التعاون معه "لإصلاح هذا الخلل الذي يهدد العقيدة والمجتمع"!
وغالباً ما تنطلق هذه الممارسات من فهم خاطئ للدين، ومن أن "الشيطان يشارك من يأكل بيده اليسرى"، وأن "من يأكل بيده اليسرى لا يدخل الجنة". بل ان العُسر في العصور الغابرة كانوا يعتبرون من الشياطين ويتعرضون للملاحقة والعقوبات. وعلى الرغم من أن هذه المعتقدات تراجعت كثيراً، إلا أنها لا تزال قائمة عند البعض في عصرنا الحديث.
في يوم القيامة، من يتلقى كتاب أعماله بيمينه، فهو من الفالحين، أما من يتسلم نتيجته بيسراه، فهو من الهالكين. فهل الأمر مجرد مجاز لغوي؟ وإذا لم يكن كذلك، فهل يصبح الأشول الصالح يمينياً يوم القيامة؟ يقيني أن من خَلَقَ الأعسر أراد له العيش على هذه الشاكلة، وينبغي على البشر أن يتقبّلوا هذا الأمر ويتخلوا عن الأحكام الجائرة غير القائمة على أساس.
ولكن، ماذا عن أسباب عُسر اليد؟
يتكون دماغ الإنسان من شقين، "الفص الأيمن" ويتحكم في وظائف الجهة اليسرى، في حين يتحكم "الفص الأيسر" بوظائف الجهة اليمنى. ويرتبط استخدام أي من اليدين على سيطرة أحد فصي الدماغ على الآخر. وعلى الرغم من أن العلماء لم يستطيعوا حتى اليوم معرفة السبب وراء سيطرة أحد الفصين، وهو في حالة العُسر الفص الدماغي الأيمن الذي يتحكم بالجهة اليسرى، إلا أن دراسات أشارت إلى تأثيرات وتحولات جينية قد تكون هي السبب وراء ذلك، ما يعني أن الأمر مرتبط بعوامل وراثية لا تفسير لها، وقد يكون ناجماً عن طفرات جينية، وهذه الأخيرة أيضاً غير معروفة السبب.
وهناك تفسير تاريخي غير علمي لحالة عُسر اليد يقول إنها مهارة اكتسبها المحاربون القدامى الذين كانوا يتدربون على استخدام اليد اليسرى للتفوق في المعارك ومفاجأة العدو. إلا أن ذلك لا يفسر انتقال هذه الميزة إلى الأبناء. في حين اعتبرت فرضية ثالثة ان الأطفال العُسر غالباً ما يولدون لأمهات كبيرات في السن نسبياً، أو عانين من ضغوطات نفسية خلال فترة الحمل. وهذا التفسير أيضاً من باب التكهنات غير القائمة على أساس علمي.
وبالإضافة إلى مواجهة التمييز والممارسات الاجتماعية الجائرة، يعاني العُسر أيضاً في حياتهم اليومية، إذ يتعين عليهم التفكير بطريقة مختلفة، والتأقلم مع "عالم يميني". فجميع المرافق العامة والخاصة ووسائل المواصلات والأدوات والتجهيزات والآلات مصممة "لليمينيين"، أي مستخدمي اليد اليمنى! وعلى "المخالفين" التأقلم منذ الطفولة مع هذا العالم، ما يحفزهم على تطوير مهارات خاصة، في المأكل والملبس والكتابة، وصولاً إلى طريقة الجلوس على المكتب وفتح الأبواب وقيادة السيارة واستخدام الأدوات والعدد اليدوية ولوحات المفاتيح وفأرة الكمبيوتر وغير ذلك.
هناك بعض الحقائق التي تنصف العُسر، إذ تبيّن إحصاءات أن نحو 50% من المشاهير في مختلف العصور والمجالات، مثل العلم والسياسة والقيادة والفنون والرياضة، هم من مستخدمي اليسرى. والأمثلة على ذلك كثيرة، إذ تقول بعض الروايات أن عمر بن الخطاب، ثاني الخلفاء الراشدين كان أعسر! كما أن جميع هؤلاء المشاهير، على سبيل المثال لا الحصر، هم من العُسر: أرسطو طاليس، يوليوس قيصر، نابليون بونابرت، مايكل انجلو، ليوناردو دافنشي، اسحق نيوتن، ألبرت أينشتاين، الملكة فكتوريا، ونستون تشرشل، المهاتما غاندي، لودفيج فان بتهوفن، تشارلي شابلن، بابلو بيكاسو، فيديل كاسترو، جيرالد فورد، بيل كلينتون، باراك أوباما، الأمير وليام، بيل غيتس، جوليا روبرتس، نيكول كيدمان، توم كروز، مورغان فريمان، بيليه، نيل أرمسترونغ وغيرهم كُثر.
لا أريد هنا التطرق للسياسة، حيث "اليمينيون" هم "الواقعيون" والمسيطرون في أغلب الأحوال، مقابل أقلية "اليسار المثالي الحالم"، وذلك في انعكاس لنسبة مستخدمي اليمنى والعُسر في واقع الحياة. 
وفي تمييز ضد المرأة، زعمت دراسة أن الرجل الأعسر أكثر إبداعاً من غيره، في حين لا تنطبق هذه القاعدة على المرأة! لكن وجود عسراوات متميزات يدحض نتائج هذه الدراسة المتحيزة. بل إن دراسة أخرى وجدت أن المرأة العسراء أكثر قدرة على تحمل الصعاب ومسؤولية الأسرة بعد الزواج.
وذهبت دراسات أخرى إلى أن العُسر أكثر عرضة لاضطرابات أوامر الدماغ التي تصيب الأطفال، وقد تستمر مع مرحلتي المراهقة والبلوغ. كما قد يكونون أيضاً أكثر تعرضاً للإصابة بالاضطرابات النفسية، إذ تُظهر الإحصاءات أن نحو 40% من المصابين بالفصام هم من العُسر.
وعلى الرغم من قدرة، بل وتفوق العُسر في مختلف الألعاب الرياضية، وخصوصاً الملاكمة والغولف والتنس، إلا انهم محرومون من ممارسة لعبة البولو، فهي تتطلب استخدام الجهة اليمنى من جميع اللاعبين حتى لا تصطدم الخيول التي يركبونها وجهاً لوجه في حالة وجود لاعب أعسر.
يحيي العالم "اليوم العالمي للعُسر" سنويا في 13 آب (أغسطس) تكريماً لمستخدمي اليد اليسرى في حياتهم اليومية، واحتفل دين كامبل، وهو جندي أميركي سابق أسس المنظمة الدولية للعُسر، لأول مرة بهذا اليوم في عام 1976، وذلك بهدف تثقيف الناس حول الصفات التي يتميز بها الشخص الأعسر. وربما كان لذلك الفضل فيما بعد لإنتاج الكثير من الأدوات والتجهيزات الخاصة بهذه الفئة. وهناك قائمة طويلة بالهدايا التي يمكن تقديمها للعُسر في مختلف المناسبات.
أعرف كثيراً من الأشخاص العُسر، منهم أصدقاء وزملاء عمل وأقارب، وكذلك ابني الأصغر، وجميعهم ناجحون ومتميزون كل في مجاله.
توصية في الختام: احذروا عند الاشتباك وتبادل الصفعات واللكمات مع الشخص الأعسر، ففي الوقت الذي يتخذ أحدنا (أعني اليمينيين) موقفاً دفاعياً ويحمي جانبه، فإن الضربة تفاجئه من حيث لا يحتسب!