في الوقت الذي يحصد فيه وباء كورونا اللعين أرواح أحبتنا دون تمييز، في زمن يعدّ من أقبح وأقسى أزمنة موت الجملة. وفي الوقت الذي يأمل فيه بني البشر أن تتوحد جهودهم لمواجهة الملمات باسم المحبة، يستكثر البعض على الموتى ما كانوا عليه في حياتهم، ليصبه حقدًا على ميتتاتهم باسم التشفي. 
ما الذي يمكن أن نكون عليه من بؤس ومدعاة للشفقة أكثر من أن نستسلم صاغرين لفايروس خفي أسقط هيبة الدول والأحزاب والأديان والطقوس والعبادات وكل منابع الإبداع البشري، وضرب مثل اعصار هائل اقتصاد الأمم وأفشل كل استراتيجيات وخطط التسليح لدول الشر والاستكبار وأحالّ البشرية الى مجرد "دجاج مصلحة" تنتظر وهي داخل "القِن" من يتصدق عليها بـ "منهل ماء" أو قبضة من حب الطعام، لينام الجميع مرتعدًا من شبح الموت وهو يجرف الأرواح برخصٍ وذلٍ قلّ نظيرهما؟
داخل دوامة هذا النفق المظلم والمرعب في زمن الموت الرخيص والمذل تبرز فئة مريضة من البشر تستكثر على الموتى أديانهم ولغاتهم ومذاهبهم وقومياتهم. تستكثر عليهم إبداعاتهم وتوجهاتهم ومعتقداتهم، في محاولة لتشكيل الناعلى هواهم.  وفي الوقت الذي يتضرع فيه الأخيار من أجل سلام البشرية ونجاتها، يبرز هؤلاء المستكثرين عليك إنسانيتك ونخوتك وإحساسك الراقي بعظم الفاجعة وفداحة خطورتها، ليعترضوا على إنسانيتك وحزنك النبويّ ونخوتك وأحاسيسك، وينتقدك لأنك تشارك وتشاطر المفجوعين فجيعتهم على موتاهم. إنهم يستكثرون على الميت ديانته وأيديولوجيته ومتبنياته ومعتقداته وساحة إبداعه، غير مبالين بإمكانية أن يذهبوا على حين غرّة ضحايا "غير مأسوف عليهم" لهذا الوباء الفتاّك. 
أنا في صف البشرية جمعاء وهي تجتهد للتخلص من هذه البلية. أتعاطف مع الجميع، وأحزن من أجل الجميع، وأخرّ ساجدًا لربي بدعاء واحد " اللهمّ نجِ البشرية جمعاء من هذا البلاء" وأترحم على البغي والراقصة والفنان والأديب والرياضي ورجل الدين والغني والفقير والصالح والطالح وأصلي لكل واحد فيهم صلاة الوحشة بقدر الإخلاص نفسه، ففي المحصلة النهائية فكلهم بشر متساوون في الحقوق والواجبات، أما ما اقترفوه في حياتهم فأنا غير معنيٍ به لأنني فرد قاصر مثلهم ولست بدرجة إلهٍ كي أقرر استحقاقاتهم الاعتبارية في الدنيا والآخرة. الخلود والرحمة والمغفرة للراحلين جميعًا، وتعازيي القلبية لأسرهم ومحبيهم بلا استثناء. ليتنا نترفع عن أمراض الغِل والكراهية فلولاهما لما ابتلانا الله بما ابتلانا به.