نضجت على جسدي أوّل حبّة خوخٍ يدركها الطفل، و قبل أن يزهر الخوخُ في قلبي ! ربما كنت في الرابعة حين قيل لي: هذه هي " الليلى" ، في استيضاحٍ عن واحة سمراء تميّز ساعدي الأيسر، و قيل لي لاحقاً إن الشامةَ أثر الإشتهاء في جسد الطفولة، و ما تُسرُّ به الأم لجنينها من لوعةٍ و خوف . 

إذن هي " الليلى"، خَوخَةُ آب البيضاوية الشكل المتمايزة عن أخواتها و بنات عمّها من ثمار الخوخ، هي فعل التوْقِ المنذور لشمس آب الحارقة، وهي التي ستغدو مذاقا فريداً، يترُكُ في فمي طعم عمر كامل من الذكريات ، و كأنها كانت تخمشني كلما فغمْتُها بلذّة الحنين للسّكر المعسول في أحشائها .

لم أذق لِ اللّيلى في حياتي غيرَ مذاق تلك الشجرة الأم النابتة بغزارة في بيت العائلة، كانت تُظلل نافذة غرفة الأب المُجهد بخمسة أبناءٍ يتجايلون الحليب، و تمنحَه غفوة القيلولة الناعسة .

تحت أغصانها تعرّفت إلى حرّاس مملكة النمل، و رأيتُ كيفَ يفتك الحارس الأسود بالنملة الحمراء التي ساقتها أقدارها على يديَّ لمملكة غريبة، فعرفت سنة من هذه الحياة التي سأذعنُ فيها على يد المجهول لغد أصارعهُ في ممالكَ أخرى ليصرعني ..!

و هناك أشعلتُ حرائقي الأولى التي اقتاتت من لحمي لهيبها، ومنها عرفتُ مذاقها الحلوُّ الطافح، ومنذها لم أتلمّظ سواها، فلا أذكر أنني إبتعتُ الليلى أو قطفتُ ثمراً من غير تلك الشجرة!  

لم أعجب حين كانت أول شهقات انبلاجي من قشرة العطش تُدعى ليلى، تلك المرأة النَجمُ في ليل ذاكرتي الرنّام، و كلّما مرّ آب بانَ وهجُ ضوءٍ في البعيد، ترى أيّةُ سماءٍ تُضيئين!! 

أنا المؤمنُ دونَ رَيبٍ، أن يداً متقنة نظَمت أحداث العمر و شواهده في فَلَكٍ دائب،  

و هي التي ظنّت قولي هذا، ضَربا من ضروب ترويض اللغة في مغازلة قلب المُهرةِ الهذول ، ولكنني كُنْتُ مدركاً أنّ للشامة أثراً في صهيل ليلات قدري الآتية ، و أنني كلّما خمشُتُ قفيرةً في هذه الحياةِ، إبتلّ ريقي بنسيل الشجرة الأم في بيت العائلة.

- فَرخُ الحَمامْ ..

في ركنٍ مهملٍ من شرفة البيتِ أثثت حمامةٌ عشّها وفَقست طائرينِ لا يقويان على العُلُوْ، وصار عشّها الصغيرُ مزار لهفتنا بالحياة ومسرح هديل قلوبنا بأغنيات الفرح والأمل، وصرنا نتسابَقُ في تحضير وليمة القمحِ والماء للحمامة الأم، وكلّما رفّ الذكرُ على حافّة الشرفة حاملا قوتَ الفراخ، عَلَتْ ضحكة الأطفال مهووسين بالأبوّة  يصرخون:

"أتت الحمامة الكبيرة، 

أتت الحمامة الكبيرة". 

عُشٌ على شرفة البيتِ اتسّع لأفئدة العائلة، وصار اهتمامها المشتركَ، وحديث أطفالها الذهبي ..! 

جعلت الفراخُ لنا ميقاتا منذ انبلجت من قشرةِ الملحِ ونقرت ما تكلّس فينا من روتين الحياة بمنقارها الطريّ.

مساءً يخلد الأطفال لفراشهم حيث خَلَدت الفِراخُ لحلمها بأجنحة تُظللُ التلال، وباكرا يقرَعُ الصغار عينيَّ النائمتين، هيّا لقد فاقت الفِراخ ..! 

هذا الصباح، تدلّت أسئلةُ الحزنِ والتعجب والاستفهام واللامعقول من أحداق طفلينِ لم يلقيا غير الدمع تعبيرا عن فراق مفاجئ ، لقد طارت الفراخ! 

صار لها ريش رماديٌ يبرِقُ ألوانا مشمسة، ووقفت على سطحٍ مجاورٍ تجفلُ من نحيب طفلين يصرخان تعالا، أحضرنا لكما الماء .. 

وللماء صدى يجفُّ تحت وطأة شمس آب! 

شكرًا لحمامةٍ اختارت شرفة مهملة، للصدفة شرفتنا، وضعت عليها غدها، لتنبلج في قلوبنا الحياة!