أمومة بديلة
"وجودي نفسُه مسألةٌ قيدُ بحثٍ"                    يوجيف أتيلا

      كالندى أتقطّرُ معكِ، أكره الظهور أمامكِ دفعة واحدة، وأنتظر، بشكٍّ كبيرٍ، أوقاتًا قادمة سأحبّكِ فيها أكثر. فيكِ من الجهة الخامسة الكثير: عصيّة ووعرة، ويعجز الموبوؤون بالحسرة عن الإشارة إليها، مع أن لكِ من الانبساط ما تضاهين به جناحي "حَمامة السَيّد"، وتحاولين تقليد طيرانها المضطرب. ماكثة أبدًا في حواسي كنيّتي الحسنة لأنكِ صنو أمّي، ولأنّ شيلتك مضمّخة برائحة نباتات بريّة، للگاط النصيب الأوفر منها. لا عزلةَ لكِ يا موشيّة، يا خالتي الحبيبة. شائعة وواضحة للجميع كشمسٍ أو قمر. لا يشغلكِ بقاؤك على قيد الحياة قدر انشغالكِ ببقاء المحبّة في عروق الكثيرين ممَن تحبّينهم ويحبّونكِ، وأنا منهم.... أحبابكِ، وأنا منهم، يروحون ويؤوبون بصمت، وقلبكِ قِبلتهم، ككريّات دورتكِ الدمويّة. أعرفُ ـ أحزرُ آخرَ جملة نطقتِها وأنت تحتضنين واحدًا منهم، ومن فمك تفوح رائحة قُبل قريبة: يمّه بعد لا تبطي عَلَي، فأستشعر نكء غيرةٍ في دمي، لأنّي أريد الانفراد بأمومتكِ.
    كنتِ أجمل حين كانت أمّي "عَدلة"، لأنّي أجد صعوبة منتشية في التفريق بينكما. وحين ماتت أصبحتِ كثيرةً ومضاعفةَ الوجود كروجات شطّ، أو كحسرات يتمٍ مبكّر.
    خالة:
أنا أعرف أنكِ مكتفية بحزنكِ، و"تروبين" دموعكِ الدسمة، وتفضّلين امتطاء ما لا أرى من السُحب. هزّي، أرجوكِ، جذعَ قدري برقّتكِ، عسى أن يتساقط عنه ما فاق طاقتي على الاحتمال، فأنا أعرف نعومة خاطركِ اليشبه زجاج المصابيح ورسائل الحبّ الأولى. وأعرف أنكِ أكثر من امرأة تجيد البكاء، فأنت ظاهرة جنوبيّة، تتمترسين بالتغاضي عن كثير من آلامكِ وآمالكِ الموؤودة بالباريستول، قويّة لأنكِ حاضرة النشغة، متوثّبة وموزّرة لفقدٍ وشيكٍ ما، وأنا بلا نفوذ يؤويني.. لذا يمّمت وجهي نحوكِ.
      كعادتكِ دائمًا، كما في الصورة، وما بعدها وقبلها، أنت في لحظة انكسار، أو على مشارفها، تستحضرين وَهنكِ، ولازمتكِ على طرف لسانك:" لم أكن أعرف أني بهذا الضعف".  لا تتقنين الفصحى، لكنّ الشكّ لا يساوركِ أبدًا بجدوى مقولتكِ البديلة الجاهزة وصدقها:" صرت سالفة ويحچون بيّه". هي بداية فقط لنعي سيطول، يُخرسُ الوجود، الوجود القريب الذي يحيطكِ كلّه، أعني سلف كريشة العمارتلي وقبله الشّلفة بمائها الضحل وما بعدها، ينصتُ، يرهفُ السمعَ لئلا تفوته مَرويات عينيكِ وهما تهطلان بمطر مالح، تحفظينها متواترةً دمعًا عن دمعٍ من سلالات ناصعة الغور في القِدَم والدم.
      عليّ إعادة تشكيل لغتي لتناسب سواد شيلتكِ، ورماديّة الوقت المهدور الذي أمضيتِه وأنت تنتظرين من لن يأتي وتقارعين السأم بالإطراق وتردّدين كلمات بيض وكفّك مبسوطة على رأسكِ: كون راسي من حديد... وعيوني مصيوغة جديد... وأبچي عليك شما أريد.
خالة:
گمطيني من جديد، لأجد عذري في شللي، لأنّ بعضَ أحبّتي يتنفّسون بصعوبة الآن. لا تستطيعين؟! إذن، لوليلي.. أو لولحيني، وهذا أضعف الوهم.