أرغب فعلاً في توجيه "تحية كاملة" إلى الشباب الذين حملوا بالأمس العلم البرتقالي* أو التفوا به، ومعهم نواب ووزراء ومسؤولون رسميون برتقاليون، وبعض الأهالي من ذوي النضال السابق والحلم الدائم، لكن في حركتهم هذا ما يحجم التحية ويجعلها منقوصة.

أما التحية فلأن هؤلاء، من شباب وأطفال وكبار في السن، حرّكوا ركود مستنقع الحياة المدنية، أو الحراك المجتمعي في لبنان، البلد الذي كان رائداً ليس فقط في احتضان قضايا وحركات التحرر المحلية والعربية والعالمية، بل خاض جزءٌ كبير من أهله مسيرات نضال وتظاهر، غير مكتفين برفع شعارات الحرية، وفي طليعتها حرية التعبير والانتماء، بل كانت الساحات والشوارع مفتوحة على الدوام لتحركاتهم المطلبية التي تبدأ من الاحتجاج على رفع سعر رغيف الخبز في لبنان، لتصل إلى التضامن مع أصغر سجين معتقد في أبعد معتقل على سطح الأرض، ناهيك عن تبني القضية الفلسطينية، ولاحقاً النضال الفلسطيني المسلح، لما له وما عليه، ولهذا بحثٌ آخر..

أما لماذا التحية غير كاملة، فلأسباب كثيرة، قد يختصرها ردّ غالبية المشاركين في حركة الأمس عن سؤال: لماذا تتظاهر؟ ليأتيك الجواب شبه الموحد: لأن الجنرال طلب منا ذلك! أو: لأننا نطالب بحقوقنا.. وعندها تكون الطامة الكبرى إذا سألته: وما هي هذه الحقوق؟ فتدخل في زواريب الشخصنة والمطالب الطائفية والمناطقية والمذهبية، دون أن يغيب بالطبع نبش قبور الأحقاد الماضية الحاضر فعلها في نفوس اللبنانيين المنقسمين على أنفسهم.. لذلك هي تحية منقوصة أرفعها إلى تحرك ناقص، كي لا نقول فاقد مبرراته.. وفي باقي الأسباب أتساءل:

- ألم يجد البرتقاليون، ومعهم كل اللبنانيين، ما يستحق أن يتحركوا ضده، دون انتظار "دق النفير" من أيّ قائد، على امتداد سنواتٍ تراكمت خلالها مشاكلهم الحياتية وتضاعفت همومهم اليومية، من أبسط الحقوق إلى أكبرها؟

- ألا يستحق كل هذا الفساد المستشري في شرايين مؤسسات الدولة وقطاعاتها المختلفة منذ عقود، بدءاً من "مغارة علي بابا" في شركة الكهرباء، مروراً بفضائح الطعام الفاسد، وصولاً إلى احتلال النفايات الشوارع والمدن والقرى، والتسيب الأمني وعمليات الخطف والقتل المعروفين أبطالها بالاسم والصورة ومكان الإقامة، وغيرها الكثير، ألا يستحق كل هذا أن يهب الناس، كل الناس، إلى ثورةٍ اجتماعية توقف سلبهم حقوقهم المشروعة، كمواطنين؟

- كيف يتظاهر "تحت الطلب" من لم يعنه في شيء أن يمرّ عامٌ ونصف العام على شغور كرسي الرئاسة الأولى، التي هي رمز السطلة ومبتدى الحياة السياسية وإدارة العجلة الاقتصادية وتعزيز الأجواء الأمنية في لبنان؟

المؤسف أن آخر تحرك لبناني جامع كان في 14 آذار 2005، يوم قررت الغالبية العظمى من اللبنانيين الانتفاض على واقع حكم البلد بقوة الترهيب والقتل والاغتيال، فكسروا الحواجز الوهمية الفاصلة بينهم كمواطنين، مناطقية كانت أم طائفية أم سياسية أم مذهبية، وقرروا استرداد حريتهم المسلوبة، فكانت بدايةٌ لما أرادوا، غير أن أمراء الحرب وزعماء السلم لم يتأخروا في استرداد زمام المبادرة، عبر تشتيت تلك القوى المتجمعة إلى فِرق (كي لا نقول قطعان) متفرقة يسهل تحريكها في الزمان والمكان والاتجاه المناسب، أي الذي يخدم مصلحة "الزعيم" حكماً.

حسنٌ جداً.. صبرتم، تحملتم، انتظرتم، فقدتم القدرة على الصبر، وقرار الزعيم انتظرتم.. ثرتم وتظاهرتم، صرختم وشتمتم، تجتمعتم وأثبتّوا حضوركم، رقصتم وأهازيج النصر أطلقتم، وبعد كل ذلك، إلى يومياتكم إيّاها عدتم، وبلا كهرباء نمتم، ورائحة النفايات المتراكمة تحت غرفتكم تنشقتم.. وفي نوم أهل الكهف عدتم فغرقتم! وعلى تحية منقصوة مني حصلتم.

بسام سامي ضو

* اللون البرتقالي رمز التيار الوطني الحر في البنان، والذي يتزعمه قائد الجيس ورئيس الحكومة بالتكليف الأسبق الجنرال ميشال عون، الذي دعا مناصريه أمس إلى التظاهر في بيروت للمطالبة بحقوقهم.