اليوم احتفل باليوبيل الذهبي لميلادي. كنت انتظر الخمسين بشغف لقناعتي ان الحياة تبدأ بعد الخمسين. اليوم سأبدأ النصف الاخر افتراضيا من عمري ولا اعرف لماذا احس دوما ان الخمسين هي منتصف العمر!!
الخمسون سنة التي مرت كانت ثرية حافلة بالذكريات الحلوة والمرة. اذكر اني ولدت العام ١٩٦٥ اي قبل ان تبتلع اسرائيل الشطر الاخر من البرتقالة الفلسطينية التي قضمتها في العام ١٩٤٨.
كانت جدتي صفية اهم امرأة في حياتي، تعلمت منها الكثير، وكانت أمي اول وزيرة ثقافة واعلام في حياتي، تعلمت منها وهي التي لم تحمل الابتدائية معنى القراءة والأدب والشعر والفن.. كانت مدرستي الجمالية وهي التي كانت تشتري لي الكتب المهربة ودواوين الشعر المحظورة..
اتذكر العام ١٩٧٣ جيدا وكيف ساعدت والدي في وضع اكياس بلاستيك سوداء على شبابيك بيتنا في الخليل حيث كان يظن ان حرب أكتوبر ستقود الى تحرير القدس وان الطائرات المصرية قد تقصف منزلنا بالخطأ لدى مرورها مثلا لقصف مفاعل ديمونا.
ما زالت حروب اخرى عالقة في ذاكرة الطفولة، حيث معركة الكرامة وحرب أيلول المريرة ثم حرب لبنان ١٩٨٢ وتواصلت الحروب في حياتي وكأنها جزء لا يتجزا من تاريخي..
عشت سنوات الانتفاضة الفلسطينية الاولى وكنت أردد مع رفاقي: هذا هو الجرح الأخير.. هذا هو السفر الطويل الى الوطن.. اضرب حجر!!
احببت وفقدت من أحب. مرة لفقري ومرة لخوفي من فقري..
تزوجت ورزقني الله شهدي التي ضوت حياتي وأشعلت شمعدانات عشق وفرح
اليوم، جلست استعيد كل الذكريات التي مرت على مدار عقود خمسة، وقررت ان أعيش السنوات المقبلة بطريقة مغايرة أسير فيها عكس التيار، وأستفيد من خبرات متراكمة واغسل ما علق بالقلب من الصدأ واستنشق المزيد من الأوكسجين واطرد كل ذرة من ثاني أوكسيد الكربون الذي خنقني في كثير من الأوقات.
الخمسون المقبلة احلى وأشهى.. استمتع فيها مع اهلي واقترب اكثر من قلمي، واجوب أطراف الارض ابحث عن زهرة تواجه الطلقة، وبسمة تمسح الدمعة..
السنوات المقبلة ما بعد الخمسين اريد ان اعيشها لغيري لا لنفسي. اصنع الفرح وازرع الأمل وانقل لابنتي منظومات فكر وقيم، تنير دربها وتشرح صدرها.
بالطبع تريدون ان تعرفوا أين انا في الصورة؟ انا الرضيع في حضن شقيقي عمران وحولي اشقاء وشقيقات يحملن الكثير من الذكريات مثلي..
احبكم جميعا وليس في القلب ذرة حقد او كراهية لأحد وأتمنى ان لا يحمل احد في قلبه لي الا الحب النابع من سويداء القلب وان يسامحني من جرحته، ويصفح عني من أذيته..
لحظة صدق:
شهد ربيع حياتي وضياء قلبي ولا أتنفس غيرها ولا اشم زهرة في الكون سواها، وسحر رفيقة دربي وحاملة وجعي وصانعة فرحي..
كل عام وانا احبكم