ترتبط الأيام والأشهر والسنوات في حياتنا بذكريات ومناسبات سعيدة وحزينة وطريفة، وليس أيلول استثناءً من ذلك. ونحن كعرب لم نترك يوماً أو شهراً في السنة ليعتب علينا، ويعيد لنا ذكريات، أكثرها مؤلم للأسف! فهذا أيار "اللي ليته ما صار"، وذاك حزيران شهر النكسة والغزو، وتشرين الثاني المرتبط بالوعد المشؤوم، ونيسان شهر الاجتياح، وغير ذلك من الشهور والأيام.
لكن أيلول، على الرغم من كثرة مناسباته، يرتبط في ذاكرتي دوماً بالعودة إلى المدرسة. فدائماً ما كنا نبدأ السنة الدراسية في اليوم الأول من هذا الشهر، إلا إذا صادف يوم جمعة.
أذكر في سنتي الدراسية الأخيرة، في مدرسة الصلاحية الثانوية بنابلس، اليوم الأول والحصة الأولى، حيث دخل علينا أستاذ اللغة العربية، وكان وجهاً جديداً بالنسبة إلينا.
بعد القيام والجلوس وتحية الصباح، سأل الأستاذ: من يأتي لي ببيت من الشعر؟ وقف أحد الطلبة وذكر بيت أبي العلاء المعري الشهير: وإني وإن كنت الأخير زمانه- لآت بما لم تستطعه الأوائل.
طلب الأستاذ من الطالب أن يكتب بيت الشعر على اللوح، ثم أمسك بقطعة الطباشير وسار نحوي، وأعطانيها مشيراً لي بالتوجه إلى اللوح قائلاً: تفضل يا بني وأعرب!
الجو لا يزال حاراً، ونعاس العطلة الصيفية الممتدة ثلاثة أشهر لم يغادر جفوننا بعد. وعلى الرغم من تفوقي في اللغة العربية، إلا أن الموقف فاجأني تماماً. تطلعت إلى اللوح، وإلى الأستاذ والطلبة، وعدت ببصري إلى اللوح ثانية، علّ الله يفتح عليّ بشيء ما.. لكن لا فائدة. سرت همهمة بين طلاب الصف، وكرر الأستاذ سؤاله، فنطقت بصوت خافت: وإني.. مبتدأ!
لم يبد الطلاب أي رد فعل، سلباً أو إيجاباً، فقد كانوا نياماً مثلي في ذلك اليوم. لكن الأستاذ مشى نحوي بهدوء، وتناول قطعة الطباشير من يدي، ثم قال: ألم تسمع يا بني عن "إن وأخواتها.. إرجع إلى مكانك"؟
ناولته الطبشورة، وعدت إلى مقعدي وأنا أتصبب عرقاً وخجلاً. شعرت أن تلك الحصة امتدت دهراً!
اتضح لنا خلال العام الدراسي أن "أبا طريف" كان واحداً من أفضل أساتذة اللغة العربية في مدارس المنطقة. كان يذوب عشقاً في اللغة، خاصة وهو يشرح لنا القصائد ومناسباتها والنصوص الأدبية الجميلة التي تخلو منها المناهج الدراسية الحديثة. وعلى الرغم من شخصيته المتواضعة وصوته الخافت، إلا أنه كان يسحرنا ببلاغته وحسن انتقائه للألفاظ والحكم والتعابير، إلى درجة أن الهدوء كان يسيطر على دهاقنة الشغب في الصف، الذين كانوا يتخذون من الزوايا والمقاعد الخلفية مستقراً ومقاماً.
مع مرور الأيام، توثقت العلاقة مع "أبي طريف"، وأصبحنا ننتظر حصة اللغة العربية بشوق ولهفة. كان أستاذنا عندما يطلب إعراب جملة أو كلمة أو بيت شعر ينقل السؤال من شخص إلى آخر، ويتجاهل يدي المرفوعة، حتى تستعصي الإجابة الصحيحة على الغالبية، فيوجه في أحيان كثيرة كلامه إليّ: اعرب يا بنيّ. فأجيب وأنا أتذكر الموقف المحرج أوائل العام، وأقول في نفسي: "لا بد أن أستاذنا الفاضل يحاول أن يعوضني عن ملاحظته التي آلمتني وأحرجتني كثيراً، على الرغم من رقتها"، خصوصاً وأنا أسمع منه أحسنت يا بنيّ.
في نهاية السنة الدراسية، ونحن نستعد لامتحانات شهادة الثانوية العامة "التوجيهي"، وقفت مع أستاذنا نتجاذب أطراف الحديث. فقلت له: "أنا لا أزال محرجاً من تلك الواقعة في الأول من أيلول". وكم كانت دهشتي عندما قال لي إنه لا يتذكرها على الإطلاق!
عندما ظهرت نتائج الثانوية العامة، كانت علامتي في اللغة العربية 186 من 200. وعلى الرغم من أنني تخرجت في كلية العلوم، إلا أن مخزوني اللغوي هو الذي شفع لي في حياتي العملية، فدخلت الصحافة والإعلام من باب اللغة العربية.
رحم الله أبا طريف، ورحم الله أساتذتنا الأفاضل الذين رسّخوا فينا حب العربية، وكل أيلول وأنتم بخير!