رغم الدلال الذي يحظى به الإعلام الجديد والانتشار الواسع لوسائله بين أيدي أبناء هذا الجيل..تقف وسائل الإعلام التي تسمى بالتقليدية راسخة في جذور أرضها..وهنا أفضّل أن أسميها بوسائل الإعلام "الأصيلة" كونها حافظت لسنوات على تقديم معلومات مسؤولة اتجاه المجتمعات لتنويرها وتثقيفها في شتى حقول الحياة..
اليوم يشدني الحنين لأتحدث عن الإذاعة ..تلك الوسيلة التي أول ما نسمعه فيها هو "أعزائي المستمعين"فأصبحت هي العزيزة على قلوبنا حتى وقتنا الراهن.
لطفاً لنرجع أكثر إلى الوراء وتحديداً في فترة الستينات والسبعينات والثمانيات ..أتتذكرون ذلك المذياع الذي أتحف أجيال ذلك الزمن بأغاني أم كلثوم وفيروز ومحمد عبدالوهاب وغيرهم،و في ترددات أخرى صدحت أصوات المذيعين الشجية ،منها الرجولية الجمهورية ذات القرار والنسائية الرقيقة بنغمتها والثقيلة بموضوعها ورسالتها المعرفية الهادفة وسط حرية في التعبير والطرح المنطقي ؟!!

قصص تاريخية وبرامج فكرية وسياسية قدمها على مر ذلك الزمن نجوم الإذاعة العربية ما بين مصر والكويت ولبنان وتلك العابرة للحدود من إذاعات تخترق تردداتها قمم الجبال و عرض البحار.
وهنا في دولة الإمارات لهذه الوسيلة عمر طويل فكما جاء في كتاب "هويتنا الإعلامية"لعلياء حسن
..تأسست إذاعة صوت الساحل في الشارقة، عام 1962 عن مكتب التطوير المنبثق من مجلس حكام الإمارات المتصالحة الذي أنشىء عام 1952، وكان يهدف إلى العمل على تحقيق المصالح المشتركة بين الإمارات، واستمرت الإذاعة حتى  1970 لتحل مكانها إذاعة دبي على التردد ذاته وقبلها بعامين ظهرت إذاعة أبوظبي لتتحول إلى الإذاعة الرسمية مع قيام الاتحاد فأصبح اسمها إذاعة الإمارات العربية من أبوظبي وكانت مهتمة بالأحداث الخارجية وتحديداً الاحتفالات القومية وانتشرت في ذات الوقت تجارب شبيهة في مختلف الإمارات.

عصر الإذاعة الذهبي ذاك،تلاقفته أمواج الرقمنة والتطور التكنولوجي لكنه لم ينته وبقي صامداً رغم تغير كبير في محتوى الإذاعات الجديدة ورصانة لغتها ورزانة مذيعيها الذين يتفنن بعضهم في خط التميع وتقديم المواد الهابطة وسط اختلاط الغث بالسمين.
ورغم ذلك كله بقيت الإذاعة محافظة على مكانتها كخيار يلجأ إليه الجمهور وربما بشكل أقوى مع توفر الإذاعات على الأجهزة الذكية والتطبيقات والبرامج الالكترونية.
تشير إحصاءات اليونيسكو إلى أنه في عام 2016 تجاوز عدد مستمعي الإذاعة عدد مشاهدي التلفزيون ومستخدمي الهواتف الذكية وأنه توجد أكثر من 800 محطة إذاعية في البلدان النامية بينما نصف سكان العالم تقريبا (3.9 مليارات شخص) لا يزالون غير قادرين على الاتصال بشبكة الإنترنت.
إذاً هي وسيلة تأبى أن تتنازل عن عرشها وهو ما يتأكد مع استمرار إقبال المعلنين عليها نتيجة تعدد قوالبها البرامجية التي كونت لها أصدقاءً وجمهوراً وفياً لتأتي محلياً على رأس القائمة برامج الخط المباشر وتجربة الاتصال الحكومي التي رسختها بتواصل القادة عبرها  مع الشعب إذ يستمعون إلى قضاياهم ويحلونها فوراً ،ويتم عبرها التركيز على الخدمات الحكومية وتوجيه النقد البناء الهادف إلى الإصلاح،لتتسع معها القوالب البرامجية الأخرى بين الترفيهية والأسرية والأخبارية والاجتماعية وغيرها.
وأخيراً تبقى الحاجة بين ذلك كله إلى ضرورة التركيز على إعادة بعض البرامج الجادة إلى الخرائط البرامجية كالحوارية التي تنقل المستمع بين بحور الثقافة والسياسة والاقتصاد وغيرها ،فضلاً عن ضرورة الاهتمام بالإذاعات الناطقة بغير العربية لتوصل الرسائل الدقيقة ذات المصداقية والشفافية العالية في وقت أصبحت فيه المعلومات المغلوطة والمشوهة تحجز لها موضع قدم في منصات الوليد الجديد!!
نقلا عن  صحيفة الرؤية الإماراتية