بينما يملأ هدير طائرةٍ سماء رام الله في منتصف هذه الليلة الهادئة، أتساءل متى تحطُّ عجلاتها في مطار متاح ؟ 

أوليس من حقّنا البشريّ البسيط استقبال مسافر في أرض المطار واصطحاب حقائبه إلى المنزل، والحديث عن شكل الغيوم قبيل المغيب إذ تشكّلت في هيئة دبٍّ أو زرافة؟! 

 

يَدْخُل أيلول محمولاً على نسمة طَرِيَّة فلتت من جهة البحر القريب، ذلك الأزرق المشتهى خلف الجدار الرمادي الوَخِمْ. 

فمَا من أحد يشتهي طعم الموجِ المالح كما نشتهيه نحن ! 

نحن المشتاقون لعادات الشعوب البسيطة، من اصطياد سمكة إلى التلويح لسيّارة الأجرة عند باب المطار. 

 

من شاشة التلفاز يتعَرَف أطفالنا على خصائص الأشياء. يسألني الصغير: ماذا أسمع إذا وضعت صدفة كبيرة على أذني ؟ 

تسمع صوت أبيك الكامِن في الأمنيات البسيطة، أجيبُ.  

 

أشعُرُ أن أيلول يشبهنا، ويخصّنا أكثر من سوانا، ففيه تكثيفٌ لصورتنا على وجه التحديد،  حيث يَخرُجُ من صيف الإجاص، والتوت الباذخ إلى اصفرار الخريف، وعُريّ شجر التين،

كما خرجنا تماماً من نضارة قرنفلة الحلم إلى واقع مصاب بفقر الدم! 

ورغم ذلك، نزيّن حزننا ونجمّله لنمضي قدماً، علّنا نصطادُ فرحاً حقيقيا نعود به إلى البيت، نُطعمهُ دفء قلوبنا فيثمر في سهراتنا ضحكة من القلب. 

 

أمام عيد ميلاد صديقي، المولود في أيلول، أقرر بعد حيرة لعينة شائكة، شكل هدية غير متوقعة، سأقدِّم له صنّارة صيد، وأجزم أن أحدا لم يهده مثلها من قبل. تسخَرُ مني أسواق المدينة فأشتري آلة حلاقة! 

أُخبِرُهُ، فيضحك طوال الليل. 

يقول لي ساخراً : بحرنا المستطاع، ميّت !