«من لا يحترم الشارع العام لا يحترم صندوق الانتخابات». عبارة تبحث عن إجابة بين ممرات الثقافة والتثاقف لإيجاد حل يقاس من خلاله السلوك الاجتماعي والسياسي. أمام هذا الطرح الموشح بالنظريات نطرح أسئلة بسيطة لمعرفة مدى تطبيق أفراد المجتمع: بما أن المحافظة على نظافة المنزل من الأمور المهمة والبدهية لكل المجتمعات، فهل يُحترم الشارع العام بالوتيرة نفسها التي تُحتَرم بها المنازل؟ وإذا كان المنزل يمثل واجهتك الخاصة أمام مجتمعك المناطقي، فما هي واجهتك العامة أمام المناطق أو الدول الأخرى؟
المقياس واضح لتمييز الأفراد والمجتمعات، ففي الحالة الأولى (خصوصية البيت) تُظهر مدى احترام البيت ونظافته، أما في الحالة الثانية (الشارع العام) فتبين مدى الرقي والتحضر الفرداني المنخرط في إطار الجمعانية المجتمعية، إذا كان ما يمارس في الحالة الأولى يطبق على الشارع العام.
«احترامك ورعايتك لبيتك وإهانتك وتحقيرك للشارع العام» مؤشرات واضحة تنفي اكتساب ثقافة التعاون الاجتماعي التي تؤهلك لاكتساب الثقافة السياسية واحترام صندوق الانتخابات وتقدير قيم الـ «أنا» والـ «آخر»، وتصبغك (أي المؤشرات) بالأنانية والشخصانية والنرجسية واللامبالاة. ومن دون تفهمك لمعنى المشاركة المجتمعية تنطبق عليك الحكمة القائلة «كمن يخض الماء ليصنع لبناً»، وكما قال كونفوشيوس: «المرء الساخط ممتلئ بالسم».
الشارع العام ونظافته من المحددات الأساسية لانعكاس صورتك السلوكية والنفسية بين المجتمعات الأخرى، الأمر الذي يستوجب تهذيب أفعالنا الخاصة والعامة، وكما قال عالم النفس ويليام جيمس: «ليس بمقدورنا أن نغيّر شيئاً من إحساساتنا بمحض إرادتنا، لكن في مقدورنا أن نغيّر أفعالنا، فإذا غيّرنا أفعالنا تغيرت إحساساتنا بطريقة آلية»، كذلك قال جيمس لين ألي: «سيلاحظ المرء عندما يقوم بتغيير اتجاهه الذهني نحو الأشياء والناس بأنهم سيرضخون معه للتغيير، وسيلاحظ أن الدهشة ستتملك الناس نظراً إلى التحول والتغيّر السريعين اللذين سيحدثان في كل جوانب حياتهم، وكل ما يجول في خواطرهم هو السبب الرئيسي في صنع تصرفاتهم». إلى ذلك قال العالم النفساني ألفرد أولر: «من أروع مزايا أي إنسان مدى قدرته على تحويل السالب إلى موجب».
نحن لا نطلب المستحيل لتحويل السالب إلى موجب، بل أن تكون هناك ثقافة صاعدة تكسب الفرد أدبيات السلوك العام بعيداً من الثقافة الهابطة بمقاسها الفضفاض، فالكلمة الطيبة بداية للوعي والرقي الحضاري، فأجمل النصائح نصيحة نقدية تدخل العقل قبل القلب، وكما قال الشاعر فهد العسكر ناقداً: «وطني، وما ساءت بغير بَنيكَ، يا وطني، ظنوني».
هذا المطلب يعتبر من أبسط الأشياء التي تُكسِب المجتمع باكورة مفاهيم التحضر والرقي الإنساني، فكيف بنا التغلب على المعضلات الكبيرة إن لم نراع احترام الشارع العام؟ وبما أن الأخير يمنحك الحرية، فلماذا تسلبه حقوقه مخالفاً بذلك مبادئ الحرية والاحترام.
قال تعالى «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».

المصدر