تشير بعض الإحصائيات إلى أن 18 % فقط من مجمل الخريجين يعملون بوظائف مرتبطة بشهاداتهم أي أن هناك 72 % من الأشخاص يعملون بوظائف لا تمت لتخصصاتهم بصله وهم ما زالوا يملكون الكثير من المعرفة في مجال تخصصهم ومع ذلك وبسبب سوء إدارة المعرفة تذهب معارفهم و مواهبهم و إمكانية إبداعهم مع الريح، وتعاني المؤسسات كثيرا في البحث عن كوادر خارجية تمتلك المعرفة في مجال ما جاهلة المعارف التي لديها.

فالدول تنشئ أعرق الجامعات والمعاهد المتخصصة وتنفق على ذلك الملايين ثم تخرج سنوياً أفواجاً من مخرجات هذه الدور العلمية لتزود بذلك سوق العمل من أجل تحريك عملية الإنتاج ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو:

*- هل من الأساس تقوم الدول بتدريس ما يحتاج إليه السوق؟ وهل كل طالب يدرس المجال الذي يهواه ويعشقه؟ ثم إذا ما تميز في هذا التخصص الذي اختاره؟ هل يجد الوظيفة التي تخصص من أجلها ليطبق فيها نفس التخصص الذي درسه؟

إذا بدأنا من الشق الأول في السؤال فيرجع فيه إلى استراتيجيات البلدان بصفةً عامة وهي متفاوتةً بحسب مدى نموها وما يهمني بالأساس في هذا المقال هو الأفرع الأخرى من السؤال ففي الشق الثاني من السؤال نقول :

إن نهج أغلب طلاب العالم الثالث – وللأسف - كمن يقفز في الظلام عند اختيار تخصصه فقد يكون من هواة الإعلام إلا انه يدرس هندسة الكترونيات وأخيراً يعمل في مجال إداري والحبل على الجرار في ذلك، وبالتالي لك أن تتصور النتيجة والإبداع الذي يمكن أن يقدمه هذا الموظف لنفسه ومؤسسته وبلده و أمته!

 الذي يبدو أنه سيكون عبئاً على الدولة فضلاً عن استحالة أن يقدم لها إضافة مميزة أو بصمة تحسب له، وقد أحسن من قال إن لم تقدم إلى هذه الأمة شيئاً فأنت عبئاً عليها.

أحياناً يكون اختيار التخصص إرضاءً للوالدين أو لصحبة زميل أو لقرب مقر الجامعة أو لأجل الشهادة وبروزتها والأسوأ من ذلك أن تكون الشهادة في حد ذاتها هي الهدف بعينه ولو تم الحصول عليها بطريق غير مشروع، وكل هذا إن دل على شيء فإنما يدل على نقص شديد في الوعي برسم الأهداف الإستراتيجية الخاصة.

ومن هنا نقول لمن تجول به الرياح يمنةً ويسرة وعايش على البركة كما يقال توقف، وكن شجاعاً في قول كلمة لا، فإن كلمة لا أحياناً هي المصير بالنسبة لمستقبلك، قل لا ولا تخف إذا تصادم الطلب مع أهدافك الرئيسية، قلها لأن بداخلك نعم أكبر منها هي الهدف الذي وضعته نصب عينيك، ومن هنا يجب أن تختار التخصص الذي تعشقه وتميل إليه نفسك لكي تستمتع في أتعابه وتجد لها لذة ما بعدها لذة وتنتج بعد دراسة التخصص وتتمكن من العمق فيه أما ما أجبرت عليه فلن تفلح فيه وستجد نفسك تعيسا.

بعد التخرج قف مرة أخرى واختر لنفسك وظيفةً تمارس فيها ما تعلمته وإلا ذهبت كل أتعابك أدراج الرياح فلا أنت ثبتها وطورتها ولا مؤسستك استثمرتها ومن هنا تتبخر  المعرفة وتذهب طي النسيان.

ومن هنا يبدو انه لكي يتحقق هذا الهدف الاستراتيجي للمؤسسة العصرية وهو الاستثمار الأمثل للكادر البشري يجب مراعاة هذه الجوانب الثلاثة الهامة وهي:

أن نبدأ من الأساس إعطاء الطالب أياً كان (الولد أو الأخ أو الشخص المبتعث من قبل المؤسسة) فرصة التروي في اختيار التخصص الذي يتوافق مع مجاله وهوايته وميوله فلو كان من المولعين في مجال تصميم البرامج فليدرس في هذا المجال وليعمل بطبيعة الحال في هذا المجال الذي تتوافر فيه الرغبة الجامحة ، وإذا كان من المولعين بالإدارة فليدرس الادارة، وهكذا ..

وحينها سيحصل ما لم يكن لنا بالحسبان من تحقيق لانجازات وثمار وإبداعات لا يمكن أن نتخيلها لأن الإنسان وهو المسؤول عن الإبداع فهو من اختار تخصصاً مصحوباً بإرادة قوية في هذه الصورة ووفقا لما يعشق سيستمتع في دراسته ولن يشعر بأي تبعات وعقبات بل سيستمتع في هذه المعاناة ثم إذا ما عمل في نفس مجال التخصص ووجد الفرصة لذلك سيقدم كلما نتمنى أن يقدمه لنا، لأننا أعطيناه كل ما تمنى.

وأختم بكلمةٍ أخيرة هامساً في آذان المديرين (لم يفت الأوان بعد بالنسبة الموظفين) فلو كنت مديراً وأمكنك إعادة توزيع الموظفين فوزعتهم وفقاً لرغباتهم ثم أهلتهم بقدر المستطاع بمعارف في المجال الذي اختاروه ستجد نتائجاً مذهلة وهذا ما تنادي به الادارة المشرقة ..إدارة المعرفة وحتماً تستحق أن تكون بجانب مسماك الوظيفي مدير إدارة معرفة بامتياز.