من على هذه الربوة في رام الله، حيثُ لا تُطلُّ أمنياتنا على بحرٍ حملنا موجه في حقائبنا، و في ظل رايةٍ تخفِقُ بالحنين لملح يافا كلّما فلتت نسمةٌ من يد الجدار. 

وقفتُ في حضرة قبره، أيُّ القصائد أقرأُ في رحيله، و أي قصيدةٍ تُراهُ يشتاق ؟  

فوجدتني أقرأُ :

" بإسم الفدائي الذي خلقَ،

من جزمةٍ أفقا

باسم الفدائي الذي يرحل

من وقتهم لندائه الأول

الأوّل ، الأول .. " . 

ما من كلام يليقُ في ذكرى رحيل محمود السابعة، إنها سبع عجاف أصابت الشعر و مأتم لا ينتهي للمفردات ! 

لبعض القصائد تعويذة تصيبُ روحَ شاعرها لوحده،  فتلقي بظلالها على قدره المؤجّل ، و بعضها تُمدُ يدها لتحيط بقدر شعب بأكمله، و لأنّ محمود كان مزجا من الضميرين " أنا و نحن " أصابنا بتعويذة قصيدته جميعا، و لم تنجُ أقدارنا من رؤياه ، و مسّت روحي في حضرته تعويذة مديح الظل العالي ! 

كيف يمضي نهار يجمع الذكرى السابعة لوفاته  و الذكرى السبعين لإلقاء القنبلة على مدينة ناكازاكي اليابانيّة في العام ١٩٤٥ و بعد ثلاثة أيام من هيروشيما بمعزلٍ عن مديح الظل العالي و عن قوله  : 

" أمريكا على الأسوار

تهدي كل طفل لعبة للموت عنقودية ،

يا هيروشيما العاشق العربي

أمريكا هي الطاعون

و الطاعون أمريكا "  

فهل هي مجرد صدفة أم أنه ينبئنا بقادم مجهول ؟ 

اليوم، لا نفتقدُ شاعرا فحسب، بل نفتقدُ بصّارَ خطوتنا القادمة و غدنا الغامضُ ، نحن الذين ما عادت البلاد فخارا لتنكسر على أصابعنا بل بتنا ننكسر معها، المثقلون بضباب أيامنا حين حدنا عن النصيحة، فلا مشينا واضحين لمائدة التفاوض، و لا سحبنا ظلّنا ..! 

على مقربة من أيلول، حيثُ جفّت ينابيعُ المجاز، أرى خريفنا يصيبُ آخر أشجارنا الخضراء، فكرتنا اليتيمة، معجزة الفلسطيني في إجتراحِ صورة وحدته و حريته.  

و في حضرة هذا الغياب المر، ينتصرُ الرماديُّ على بياض صورتنا، و لم تستطع فراشة تلهو قرب الضريحِ بفائض الزهر و الألوان رفع وطأة النوء الثقيلة عن المفردات..

" ما أكبر الفكرة .. 

وما أصغر الدولة  " 

ماذا سيقرأ لنا محمود، لو أنهُ فينا اليوم ؟ هل كان سيكملُ لنا فلسفة " نيتشيه " في حُبّ الإرض وما تعلّمه من زرادشت ؟ 

أم سيدير وجهه للبحر و يلقي التحيّة على ماجد :

" صباح الخيرِ يا ماجدْ 

صباح الخير والأبيضْ

قم اشربْ قهوتي، وانهضْ

فإن جنازتي وصلتْ، ...

..، لتكتب سورة العائدْ " 

تدقُ عناوين القصائد إحتمالات الإجابة و التخمين،

قُم فينا كعنقاءٍ، فما زالت الكلمات تنتظر عاشقها، ليتلو مدائح المنفى بباب البيت، ويتلو ما تيسر من غدٍ ماضٍ ..

فمَنْ يفسّر المعنى بغير الماء ، غيرك ؟

ومن يعيد صهيل الحصان الى البلاد، فنحنُ مشتاقون مثُلك للبروة و البحر ، و كيف لنا أن نَذكر دونَك قلاعا، بعدَ رحيل الجنود ..!

نعم، ما زلتَ حياً في مكانٍ ما ، تحثُ فينا قصائد الحب و الحنين، نحن الذين تعلمنا كيف نربي الأمل ، وإن كُنّا عاطلين عن العمل ..