لا يخفى على أحد أهمية التوعية في كل مفاصل الحياة التي يتعامل بها البشر. وهذا الشيء الذي ميز الله العلي القدير به الإنسان عن سائر مخلوقاته وطالب به على مدار العمر، لأن الوعي هو تلمس للطريق القويم والأمثل والأصوب في الوصول إلى النتيجة، والابتعاد عن كل ما يهدد مسيرة الإنسان من مخاطر وشبهات ومزالق قد تكون نتائجها كارثية أحياناً.
ماذا نقصد هنا بالتوعية عموماً؟ يقصد بها امتلاك المعارف في مواضيع محددة (طب، قانون، علوم، أدب وهندسة وغيرها) للتعريف بما للشخص وما عليه وما يفيده وما يضره.
وبالتالي التوجه وفق خياراته في الحياة وبالطريق الذي هو أسلم له.
وهناك قاعدة قانونية مبنية على هذا الأساس هي «القانون لا يحمي المغفلين»، والمقصود هنا أنه لا بد للإنسان من الاطلاع على كل شيء وعدم اتخاذ القرار إلا بعد الفهم العميق والتفصيلي لما سيقدم عليه لأنه بعد ذلك ليس هناك قبول لعذر.
كما أن قاعدة «ما خاب من استشار» واحدة من طرق الحصول على التوعية المطلوبة.
وكانت مصادر التوعية قبل الثورة التقنية الحديثة إثر دخول الإنترنت، محدودة وليست متوافرة للجميع أو لا يمكنها الوصول إلى الجميع. ولهذا كان أغلبية أبناء البلد الواحد يتباينون في الوعي والفهم لما تتطلبه الحياة العامة والخاصة، فمثلاً ظهر الفرق بين أبناء الريف والحضر، وكذلك بين أبناء البادية والصحراء، وأبناء الجبال والمدن الكبرى، وكذلك الفرق بين شعوب الدول المتطورة وشعوب الدول النامية والفقيرة.
والفرق أحياناً نجده بين الأسر في الحي الواحد أو المدينة الواحدة، فأبناء الميسورين يكونون أكثر وعياً من أبناء الفقراء.
وبالرغم من ذلك كان للأسر دور مهم وكبير في التوعية بحكم تفرغ أرباب الأسر أو القيمين عليها (الجد والجدة والأب والأم والعمات والخالات والأعمام والأخوال) ، الذين يتصادف سكنهم إما بالقرب أو حتى داخل نفس البيت، فالطفل ينشأ وهو يعرف الكثير من القيم والمحاذير من خلال مفاهيم (العيب والحذر والحرام والحلال والذي يجوز ولا يجوز). تأتي بعد ذلك مرحلة يلعب فيها الجيران في التوعية على نفس المفاهيم المذكورة مع تعريف بأنواع الاختيارات المهنية، أو الدراسية المطلوبة في سوق العمل والتي تخدم الأسر مادياً واجتماعياً.
وبنفس السياق تلعب المدرسة الدور المضاف إلى ما ذكر سابقاً وكذلك علماء الدين. وبعدها تسهم الجمعيات والأندية وأجهزة الإعلام المقروء والمسموع والمرئي والأجهزة الحكومية المختصة، ولكن هذه الأخيرة بحسب إمكاناتها الفنية والمادية ودورها في المجتمع.
وأحياناً يتولى المهمة المختصون عند نشرهم لكتب توعية في مجالاتهم التي يعملون فيها. أذكر في هذا السياق أن أول كتاب قانوني قرأته وبنهم، نشره أحد أقربائي الذي كان يعمل قاضياً في محاكم الأحداث، والذي سلط الأضواء على حالات متنوعة من الجرائم الناجمة عن جنوح الأحداث والموقف القانوني منها.
واستفدت من الكتاب في مسيرتي أثناء دراستي في تشيكوسلوفاكيا أثناء الحكم الشيوعي.
لذلك كنت حذراً جداً في اختياراتي وعلاقاتي، وكنت أستذكر نصائح جدتي لي في ذلك ، التي كان لها الفضل الكبير في جرعات التوعية التي حصلت عليها.
وفي تلك الحقبة الزمنية استخدمت وسائل بسيطة في التوعية لتعريف المتلقي أسس الموضوع، مع بعض التفاصيل التي تخدم في هذا المجال على شكل صور أو مجسمات أو أفلام، وساهمت في ذلك جهات رسمية وأجهزة أو دوائر الإعلام في المؤسسات مثل الصحية وتطورت مع بروز الجمعيات ذات النفع العام ومنظمات المجتمع المدني التي لعبت دوراً، من خلال المهرجانات والحملات، وكذلك المجلات والدوريات التي كانت تصدرها وتنشرها بين الجماهير التي تتفاعل معها.
كما أن بعض البرامج التي بثت في قنوات التلفزة على محدوديتها كان لها الدور الكبير في ذلك، من أمثال برامج بثت من قناة التلفزيون العراقي في تلك الحقبة الزمنية «قل ولا تقل» للمرحوم مصطفى جواد ، الذي كان يعنى باللغة العربية، والبرنامج العلمي «العلم للجميع» للمرحوم كامل الدباغ وكذلك برنامج عن التاريخ وبرنامج ديني وبرنامج المرور الذي كان يقدم شحنات من التوعية المرورية وتعريف السائقين بالقواعد والمواد القانونية الخاصة بالسير والمرور وغيرها الكثير.
كما أسهم الفن، سواء المسرح أو الأفلام أو الشعر أو الرسم والنحت وغيرها في نشر التوعية في مختلف المجالات.
كيف كانت التوعية البيئية في تلك الحقبة الزمنية؟ ذلك موضوع الأسبوع المقبل.

المصدر