في مثل هذه الأيام، قبل عام، فاضت جموع شبابٍ لبنانيين في شوارع العاصمة بيروت، سرعان ما لقيت صداها في مناطق أخرى، حيث بادرت مجموعات من الشباب إلى تحركاتٍ داعمة فيها، أو انضموا إلى الحراك الأم في بيروت. يومها كانت الشعرة التي قصمت ظهر بعير الصمت الشعبي المدوّي، هي أزمة النفايات التي فجّرها قرار أهالي منطقة الناعمة وجوارها إقفال مطمر النفايات فيها بصورةٍ تامة ونهائية، بعد خدمة 18 عاماً شهدت سلسلةً من الأخذ والردّ والوعود التسويفية من الحكومات المتتالية والوزراء المعنيين فيها بملف النفايات والبيئة وما يحيط بها، ومن روائح فساد وفضائح تلزيمات صمد أبطالها المعلنون ومن يقف وراءهم في إطالة عمر المطمر طوال تلك الفترة… المهم أن الغضب الشعبي، الشبابي تحديداً، تفجّر كالبركان قبل عام، وكانت قد سبقته حركاتٌ إعلامية أسهمت في التمهيد له، أبرزها حركة “سكّر هالدكانة” التي أجادت ركوب موجة التواصل الاجتماعي ونجحت في تشكيل رأيٍ عام رافض للفساد ولو عبر الأثير، وسرعان ما جذب إليه حيوية الشباب المنضوين منهم والنشطاء في جمعيات أو حركات بيئية مناطقية، وغيرهم من الذين رأوا في هذا الحراك فرصتهم المنتظرة لإطلاق صرختهم وإثبات وجودهم والإعلان عن توقهم إلى وطنٍ تسوده عدالة المؤسسات، وينال فيه “المواطن” كامل حقوقه، مقابل التزامه بكامل واجباته، بعيداً عن سيادة المحسوبيات والواسطة. بدا ذلك الحراك واعداً، إذ كسر اللبنانيون، بمختلف انتماءاتهم وطوائفهم ومناطقهم، الحواجز والمتاريس التي أصرّ أولياء السلطة على رفعها بينهم، وإن يكن زعماء “الأحزاب اللبنانية”، والأفضل تسميتها “التجمعات الطائفية اللبنانية”، قد وقفوا يومها قاصرين عن فهم دوافع ذلك المدّ الشعبي العفوي، وبالتالي تداعياته عليهم وعلى الحياة السياسة والاجتماعية في لبنان، فإنهم سرعان ما أعادوا (الزعماء) توحيد صفوفهم ومصالهم، ونجح كلٌّ منهم مجدداً في جذب “شريحته المذهبية” من هذا الحراك الواعد إلى حظيرته، مكرّساً نفسه قائداً لها ومقرراً عنها. أما في الحراك الذي “نحتفل” بمرور عامٍ على ولادته الموؤودة، فانقسم الشارع، ومعه “الزعماء” حياله… ففي مقابل حماسة شريحةٍ كبيرة من الناس “العاديين” لثورةٍ يطمحون أن تطيح بمن توارثوا على حكمهم، برز آخرون وجدوا في الأمر فرصةً للانقضاض على الحرمان الذي يحكم حياتهم، فيما أمل شباب حزبيون أن تكون فرصتهم المناسبة للعب دورٍ قيادي لم يتح لهم، وانتهزها غيرهم فرصةً للانتقام من “وسط بيروت” وما يمثله. أما “الزعماء” فوقفوا هذه المرة شبه متفرجين، مترقبين هذه الصحوة الشبابية ومتابعين مسارها وشعاراتها وخطط تحركها وطموحات “زعمائها”، لكنهم لم يتأخروا في رسم الحدود الضابطة لها، وفي تحديد أيّ الوزارات والمقار الرسمية مسموح التظاهر أمامها، بل حتى اقتحامها، وأيّها ممنوع المرور أو التجمّع بالقرب منها، وأيّ السياسيين يمكن تضمين اللافتات الفاضحة للفاسدين صورهم، وأيّهم يجب ترفيعهم وعدم التعرض لهم بالصورة أو الإسم أو الشعارات، وبالتالي لم يكن صمت “قوى كبرى” حيال هذا الحراك دليل رضا عليه، بل كان أشبه بانتظار الصقر اللحظة الأنسب للانقضاض على طريدته. كما بدت حنكة “الزعماء” جليّةً في رهانهم على قِصَر نَفَس “الجماهير” وسرعة مللها وتعبها، والتمسك بحزمة الأمان التي اعتادوا أن يوفرها لهم أولياء أمورهم، كما أصابوا في رهانهم على أنه لن يأتي من هذا الشعب إلا من يشبهه، بمعنى تأصل تلك النزعة إلى التزعم والقيادة، والتلذذ بسحر الشهرة الجماهيرية وأضوائها، فصار “قادة الحراك” نجوم البرامج الحوارية، وحولوا السلطة التي أمّنهم الناس عليها إلى مطيةٍ لمصالح ذاتية، وهو ما أكدته الأيام اللاحقة، كما نجح “الزعماء” في الرهان على سرعة انضمام “القادة” الجدد بقناعةٍ تامة إلى نادي المتحكمين بحياة الناس وآمالهم، والوطن ومستقبله، ولعل مسارعة أحد الوزراء السابقين إلى “تزعم” الحراك قبل أن يسبقه غيره إليه دليل ساطع على ما نقول… وإن يكن في كل ما سبق وجهة نظر قابلة للنقاش والدحض أو التأكيد، فإن المحك العملي لروح الحراك وقابليته للحياة واستعداد قادته لمواصلة المسيرة، واقتناع الناس بهم وتجديدهم الثقة بهم، كان في الانتخابات البلدية التي شكلت، برأيي، الفرصة المثلى واللحظة التاريخية ليقطف الشارع ثمار حراكه، من خلال الترشح لعضوية المجالس البلدية ذات الصلاحيات الإدارية والتنفيذية، كي يشكل “الحراكيون” فيها نواةَ دورها الفاعل في ملف إدارة النفايات تحديداً، وينتقلوا منه إلى الملفات المتصلة بالحياة اليومية للناس، لكن هؤلاء أعرضوا عن الترشح، انسحاباً من أمام محادل تحالفات المصالح، وخوفاً من أن يخذلهم من خذلوه. مرّ عام ولم يتغيّر شيء، بل ازدادت الكوارث البيئية والفضائح في ملفات الغذاء والطبابة والمياه وما إليها، ولم يحرّك الحراك ساكناً، كأنما في تأكيدٍ جديد من المتحكمين بالحياة السياسية على أنه يُسمح للبنانيين بحرية التعبير، إنما يُمنع عليهم السعي إلى التغيير… كل عام وكل حراك بخير.