في أعقاب التغيرات الدراماتيكية التي شهدتها دول الربيع العربي في السنوات الماضية، انشغلت الجماعات البحثية والأكاديمية (إلى جانب الساسة والمنظمات الحقوقية)، بالدعوة إلى ضرورة تبني تلك الدول برامج للعدالة الانتقالية تكون بمثابة الإطار العام الذي يحكم تحركها خلال المراحل الانتقالية. وبل وأصبح تبني مثل هذا البرنامج -في رأي البعض- مقياسا لنجاح عملية التغيير السياسي خلال تلك المراحل غير الاعتيادية. وتؤشر القراءة التقييمية لهذه التجارب، أن هناك قيودا وإشكاليات عدة  نظرية وتطبيقية تعتور هذا المفهوم الذي أضحى يفرض نفسه على الواقع العربي على الصعيدين السياسي والقانوني فضلا عن الأجندة البحثية والأكاديمية.

تجدر الإشارة بداية إلى أن العدالة الانتقالية ليست نوعا خاصا من العدالة، إنّما  هي المفهوم الجسر أو الواصل بين مفهومين هما العدالة والانتقال، بحيث يعني ببساطة شديدة "تحقيق العدالة أثناء المرحلة الانتقالية التي تمر بها دولة ما". وهي تعد من ثم مقاربة لتحقيق العدالة في فترات الانتقال، ما يجعلها أوسع نطاقا من العدالة الجنائية بمعناها التقليدي؛ فهي تتعامل مع إرث انتهاكات الماضي بطريقة واسعة وشاملة تتضمن تحقيق العدالة الجنائية التقليدية، إلى جانب عدالة إصلاح الضرر والعدالة الاجتماعية والاقتصادية. 
يتم تحقيق العدالة الانتقالية عبر مجموعة من الاستراتيجيات بعضها ذي صبغة قضائية وبعضها لا يحمل هذه الصبغة، وتشمل بالأساس:  الدعاوى الجنائية: لإجراء تحقيقات قضائية مع المسئولين عن ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان؛ لجان الحقيقة: وهي هيئات غير قضائية تجري تحقيقات بشأن الانتهاكات التي وقعت في الماضي ، وإصدار وتوصيات بشأن سبل معالجتها والترويج للمصالحة، برامج التعويض أو جبر الضرر: وهذه مبادرات تدعمها الدولة، وتسهم في جبر الأضرار المادية والمعنوية المترتبة على انتهاكات الماضي؛ الإصلاح المؤسسي: وتستهدف إصلاح المؤسسات التي لعبت دورا في هذه الانتهاكات (غالبا القطاع الأمني والمؤسسات العسكرية والشرطية والقضائية.. وغيرها)، جهود تخليد الذكرى وتشمل إقامة المتاحف والنصب التذكارية التي تحفظ الذكرى العامة للضحايا، وترفع مستوى الوعي الأخلاقي بشأن جرائم الماضي. 

بالرغم من نجاح العدالة الانتقالية وقبولها كمفهوم وكآليات على صعيد واسع في الديمقراطيات الجديدة وسياقات أخرى، فلا تزال العدالة الانتقالية تثير الجدل بشأن نوعين من الإشكاليات هما:
    الإشكاليات النظرية أو البحثية: 
ترتبط أهم هذه الاشكاليات بالمجال المعرفي الذي ينتمي إليه مفهوم العدالة الانتقالية، إذ تنتمي دراسات العدالة الانتقالية بشكل تقليدي إلى حقل القانون الدولي لحقوق الإنسان، ومع التطور في تطبيقات المفهوم تم توسيع مجالات دراسة المفهوم لتشمل العديد من الآليات والأهداف تنتمي للعديد من المجالات العلمية والبحثية. والآن يمتد الاهتمام بالعدالة الانتقالية عبر العديد من المجالات العلمية لاسيما مع إسهامات علماء القانون والسياسية والاجتماع والأنثروبولوجي والمؤرخين، ورجال دين، والصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان، وتعكس هذه الممارسات والأجندات البحثية التطورات المستمرة في مفهوم العدالة الانتقالية، والظواهر المرتبطة به من قبيل جهود تحقيق العدالة، إشكالية المسؤولية/ الحصانة، ولجان الحقيقة، وجهود إعادة حكم القانون..
من ناحية أخرى ترتبط أبرز الاشكاليات النظرية لمفهوم العدالة الانتقالية بمفهوم الانتقال نفسه، فعادة ما ينظر للعدالة الانتقالية كعملية "انقطاع عن الماضي" لكن في المجال البحثي حول العدالة الانتقالية لا يجري التعامل مع الانتقال كنقطة واضحة ومحددة في مسار زمني، بل كفترة غير محددة بدقة تبدأ بالأحداث التي أدت لانهيار النظام امتداداً إلى السنوات الأولى للنظام الجديد. ومؤسسات العدالة الانتقالية مؤسسات مؤقتة ولا تشترك في مهامها مع نظام عدالة قائم وساري في الدولة، ومع ذلك يصعب فرض حدود على تصور الانتقال السياسي نفسه. ويتحدى المجال البحثي بشأن العدالة الانتقالية فكرة أن الانتقال يكتمل بتغيير النظام وذلك بتأكيده على عملية التعامل مع الماضي.

    الإشكاليات التطبيقية:
تثور بعض الإشكاليات عند تطبيق العدالة الانتقالية، يرتبط بعض هذه الإشكاليات بالنسق القيمي والخصوصية الثقافية للمجتمعات، يظهر ذلك جليا في بعض الحالات، فعلى سبيل المثال أثار بعض المراقبين المنتقدين من بلدان مختلفة كجنوب إفريقيا وبيرو ونيجيريا مخاوفهم حول كيفية الكشف عن تجارب النساء فيما يتعلق بالعنف والنزاعات لدى لجنة لتقصي الحقيقة، وكيف يمكن مثلا فهم إرث نماذج العنف القائم على الجندر/ النوع الاجتماعي. ورغم ذلك، فإن بعض المناهج الحديثة للعدالة الانتقالية قد سلطت الضوء على مظاهر القمع التي تستهدف النوع الاجتماعي، عبر بعض الاستراتيجيات مثل: جلسات استماع ترتكز على نماذج النوع الاجتماعي لانتهاكات حقوق الإنسان والجهود النشيطة التي يبذلها المدعون العامون والمحققون في متابعة الانتهاكات المبنية على الجنس؛ وتنمية مناهج مرنة فيما يخص قضايا معنية مثل الأدلة والعناية اللازمة في التعامل مع الشهادات حول جرائم مثل الاغتصاب؛ وتعريف فئات مثل "الجرائم ضد الإنسانية" أو انتهاكات حقوق الإنسان "ذات الدوافع السياسية" لتشمل جرائم مثل الاغتصاب؛ والعمل من أجل استخدام عدد مهم من الموظفين لفائدة لجان الحقيقة أو مكاتب النيابة العامة؛ ووضع بروتوكولات من أجل الضحايا أثناء المتابعات أو جلسات الاستماع العلنية لضمان سرية المعلومات الحساسة؛ ومبادرات للتعويض تقوم على معالجة الانتهاكات الخاصة بالجنس؛ أو محاولة اتخاذ خطوات خلاقة لتفادي إعادة هذه الإشكاليات عند منح تعويض عن الخسائر.

من ناحية أخرى، تبرز تطبيقات العدالة الانتقالية في أحيان عدة جدلا حول بعض الإشكاليات من قبيل:
-    التعارض بين الرغبة في تحقيق الهدوء بعد مرحلة عدم الاستقرار، والرغبة في محاسبة منتهكي حقوق الإنسان.
-    الحاجة لإرساء قواعد ذات مصداقية لمحاكمة انتهاكات الماضي في مقابل وضع قيود على عمل النظام العقابي والجنائي. وهو ما يرتبط بالإفلات من العقاب (ويضم ذلك إشكالية دور العفو أثناء الفترة الانتقالية). 
-     الجدل حول إمكانية تحقيق المغفرة في الحياة السياسية، والمبادرات التي تستهدف إرساء المصالحة.
الانتقائية في التعامل مع انتهاكات الماضي، فمن النادر أن تلبي الفترات الانتقالية متطلبات تحقيق السلام والديمقراطية والتنمية العادلة وحكم القانون التي تطمح إليها فلسفة العدالة الانتقالية، ومن ثم، فمنظرو العدالة الانتقالية يتساهلون مع بعض القيود التي قد يتم فرضها على التطبيق المثالي للعدالة بمعناها التقليدي لاسيما العدالة الجنائية بحيث يقبلون الانتقاص من مبادئ العدالة التقليدية (في التعامل مع مرتكبي انتهاكات الماضي) على النحو الذي تبرره الحاجة إلى تسريع عملية الانتقال إلى الديمقراطية، وهي بذلك تقوم على فلسفة ضمنية تستند إلى فكرة أن الديمقراطية والسلام سوف يضمنان طريقة حياة سلمية وأكثر عدلا وبالتالي فان التضحية بالتطبيق المطلق لبعض مبادئ العدالة التقليدية في ضوء المكاسب المتوقعة يعد أمرا مشروعا.