المراهق الأفغاني الذي هاجم بساطور ركاب قطار ألماني فجرح أربعة من عائلة واحدة، حالة ثلاثة منهم حرجة، هي الهجمة الرابعة للذئاب المنفردة منذ بداية هذا العام. اذ كان قد سبقها ثلاث هجمات أخرى كانت في نتائجها وأبعادها، أكثر شراسة وضررا من حادثة القطار الذي تميز بكونه الحادث الأول من نوعه الذي طال أخيرا ألمانيا لاتحادية بعد فرنسا وبلجيكا.

وكان قد سبقه قبل خمسة أيام فقط، حادثة في غاية البشاعة، وهي حادثة دهس الأبرياء في مدينة نيس، طالت المتسكعين في شوارعها لمشاهدة مظاهر الاحتفال بذكرى الثورة الفرنسية، فاحتفلت فرنسا بتشييع 84 منهم، قضوا حتفهم نتيجة قيام متطرف باستخدام شاحنة صعدت الى أرصفة الشارع، فقتلت من قتلت وجرحت قرابة 200 آخرين جراح بعضهم خطرة.

وقبل أسبوعين أو أكثر قليلا، جرت في دكا عاصمة بنغلادش، مهاجمة أحد المقاهي واحتجاز رهائن، فقتل عدد من الأبرياء أثناء اشتباك رجال الأمن مع المهاجمين. وأكدت التحقيقات أن المهاجمين كانوا ينتمون الى عائلات من الطبقة العليا في البلاد، ولم يكن لهم اتصال بجهة متطرفة.

وفي شهر ايار من هذا العام، وقبل حادثة دكا، دخل متطرف الى ملهى ليلي في مدينة أورلاندو الأميركية،وقتل بالرشاش الذي استخدمه، 49 مواطنا اميركيا.

هذه الهجمات الأربعة خلال فترة زمنية قصيرة لم تتجاوز الشهرين، والتي طالت أربعة أقطار مختلفة: المانيا وفرنسا وبنغلادش والولايات المتحدة، نفذها جميعها أناس لا ينتمون فعليا أو رسميا لتنظيم الدولة الاسلامية، لكنهم كانوا متأثرين بتعاليمها التي تبث يوميا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو من خلال القنوات التي يوفرها النت والشبكة الافعوانية التي باتت تصل الى الجميع دون رقابة او هيمنة من دول العالم وحكوماته. ونظرا لعدم ارتباطهم الفعلي بالتنظيم المذكور، يسمون بالذئاب المنفردة، لكونهم يعملون ويخططون وينفذون من تلقاء أنفسهم، ودون تلقي أوامر أو تخطيط أو تمويل من تلك الدولة التي تتصدى لها الآن العديد من الدول بهجمات متلاحقة. الا أنه رغم ذلك، لم تكن تلك الدول المتحالفة ضد الدولة الاسلامية، قادرة بعد على هزيمتهم أو احتواء نشاطهم الارهابي المدمر، رغم بعض الانتصارات عليها أنجزت في الشيخ مسكين وتدمر في سوريا، وفي صلاح الدين والرمادي والفلوجة في العراق.

ولكن ما يلفت النظر نتيجة تلك الهجمات الضارية على الدولة الاسلامية، هو تزايد احتمالات اتساع ظاهرة الذئاب المنفردة، بل وتوجهها نحو مزيد من الانتشار، نظرا لصعوبة توقع ما يفكر به أولئك، وتعذر ادانتهم وسجنهم، رغم وجود بعض الدلائل أحيانا التي تثير الشكوك حولهم. والعجز في مواجهتم ، ناتج عن القوانين الدمقراطية السائدة في البلاد التي يقيمون فيها، ومنها القوانين الجنائية التي تفسر الشك، اذا وجد، لمصلحة المتهم أو المشتبه به. فلا تجوز ادانة انسان أو سجنه، الا اذا توفر ضده الدليل اليقيني القاطع الذي لا يحتمل الحد الأدنى من الشك أو التردد. فهذه القوانين رغم عدالتها، وانسجامها مع مبادىء حقوق الانسان، تحولت الى الأكمة التي يختبىء وراءها الذئاب المنفردة، فيرتعون ويمرحون تحت أنظار الجميع بما فيهم رجال الأمن، ولا يلقون عقابا الا بعد ارتكاب فعلتهم البشعة، والحاق الضرر… بل الموت بضحاياهم.

ويعزز هذا الاحتمال، أن الأميركي الأفغاني الأصل مرتكب المجزرة في أورلاندو الأميركية، كان موضع شبهات رجال الأمن، وقد استدعته الأجهزة الأمنية الأميركية مرتين للتحقيق. وفي كل مرة، كان يطلق سراحه لعدم وجود أدلة ضده. وهكذا بات حرا، يرتع ويمرح متجولا في شوارع أورلاندو، ومترددا على ملاهيها، لكن في ذات الوقت، كان يمضي وقته مخططا لعمليته الوحشية التي حصدت أرواح 49 أميركيا.

ومثله كان الفرنسي التونسي الأصل، منفذ عملية نيس التي حصدت 84 ضحية. فمرتكب تلك الهجمة، كانت تحوم حوله شبهات أمنية، ولكنها شبهات حول ارتكابه أعمالا جنائية عادية. بل وبلغ الأمر حد ظهوره فعلا أمام محكمة الجنايات في نيس بتهمة ارتكاب جريمة السرقة. وأدانته المحكمة على الجرم الذي ارتكبه، بل وأصدرت عليه حكما بالسجن لمدة ستة أشهر. ولكنه كان حكما مؤجل التنفيذ، نظرا لكونه الحكم الجنائي الأول بحقه، وطبيعة القوانين السائدة في فرنسا، تقتضي تعليق تنفيذ الحكم الأول بحق المتهم، وخصوصا اذا كانت جريمته جنحة وليست جناية، على أن ينفذ الحكم بحقه اذا ارتكب فعلا جرميا آخر. ولقد ارتكب فعلا الجرم الثاني بعد وقت قصير. وكان جرم دهس أولئك الأبرياء المتسكعين المحتفلين بأعياد الثورة الفرنسية.

فالذئاب المنفردة قد يكونون كثر في مجتمعاتنا، وفي المجتمعات الغربية، الأوروبية والأميركية، بل وفي المجتمعات الشرقية استنادا لما وقع في بنغلادش. وهم يتجولون بيننا بحرية، يصولون ويجولون دون امكانية أي منا، تحديد من هم، وما يدور في عقولهم. فالقوانين لا تعاقب على ما يفكر فيه الانسان، حتى ولو تضمنت أفكاره احتمالات تنفيذ عملية اجرامية اقتناعا منه بأنه سيذهب بعدها الى الجنة. فبعد أن يرتكب جريمته فحسب، يكتشف المجتمع أنه كان بين صفوفه ذئب منفرد، تحول في لحظة ما، الى أسد مفترس يحصد أرواح الأبرياء.

والدوافع التي تحثهم على ارتكاب أفعالهم الجرمية، يشتد سعارها…أو سعيرها يوما بعد يوم، نظرا لكون مثلهم الأعلى، وهو الدولة الاسلامية، تواجه الآن وضعا صعبا بسبب الهجمات القوية عليها من قبل التحالفين الروسي والأميركي. فهي هجمات ألحقت بالدولة خسائر كبرى بين المقاتلين، واضطرت كتائبها للتخلي عن مساحات من الأراضي الواسعة التي كانوا يسيطرون عليها. وهذه الخسائر، كي لا نقول الهزائم، تضع عبئا معنويا على الذئاب المنفردة، يحثهم على أن ينشطوا تلقائيا خلال مرحلة أصيبت فيها الدولة، امهم الرؤوم، بحالة فرضت عليها بعض الشلل في نشاطها، الخارجي على الأقل.

والواقع أنني قد توقعت اشتداد نشاط الذئاب المنفردة منذ حصول التطور المفصلي الذي أدى الى تزايد الهجمات على الدولة الاسلامية. وتمثل التطور المفصلي بالتدخل الروسي في الحرب السورية منذ الشهر العاشر من العام الماضي. فالاغارات اليومية على التنظيمات الارهابية، سواء كانوا ينتمون للدولة الاسلامية أو لجبهة النصرة المتحالفة مع تنظيم القاعدة، قد اشتدت بشكل ملموس منذ التدخل الروسي. اذ أوجدت حالة تنافسية بين التحالفين الناشطين في سوريا والعراق، أي التحالف الأميركي والتحالف الروسي.

فالاغارات الأميركية على الدولة الاسلامية حتى دخول سلاح الجو الروسي مسرح المعركة، كانت اغارات قليلة ونسبية، بل وكانت اغارات رحيمة تسعى للتحجيم لا للاستئصال. كانت أقرب الى الاغارات الاستعراضية واغارات رفع العتب لا شيء أكثر، فلم يكن سلاح جو التحالف الأميركي ينشط بشكل جدي، الا عندما تتعرض المواقع الكردية للخطر، كما حصل في معركة عين العرب (كوباني) ومعركة جبل سنجار.، وقبلهما معركة الدفاع عن أربيل. أما بعد التدخل الروسي، وجدت الولايات المتحدة نفسها في حالة تنافس مع سلاح الجو الروسي. وهنا ازدادت الاغارات من قبل التحالفين الأميركي والروسي، وشهدنا نتيجة له، تحرير مدن في كل من العراق وسوريا.

فمع ظهور حالة التنافس بين التحالفين الروسي والأميركي، واشتداد المعارك هنا وهناك ضد الدولة الاسلامية وجبهة النصرة، رجحت احتمال انشغال الدولةالاسلامية بعض الشيء عن الهجمات الخارجية. لكنه انشغال ملهم يفرز تأجيجا للحماس في قلوب وعقول الذئاب المنفردة، المجهولة من قبل المجتمعات التي يقيمون في حناياها. ومن أجل ذلك كتبت في اليوم الأول من عام 2016، مقالا مطولا نشر في اليوم التالي على عدة صفحات بما فيها تويتر وغوغول وغيرها من الصفحات العديدة، أحذر فيه بوجود احتمالات قوية بأن عام 2016، سيكون عام الذئاب المنفردة، محذرا من تفجر نشاطهم فجأة وبشكل مفاجىء وغير متوقع.

ونتيجة هذا الوضع الطارىء، والانحسار النسبي في قدرات الدولة الاسلامية، بات من الطبيعي أن ينشط أنصارها والمؤمنون بأفكارها المتواجدون في الخارج، كما حدث فعلا في أورلاندو، ودكا، ونيس وبافاريا. بل ينبغي أن يتوقع السياسيون ورجال الأمن المزيد منها، وهو ما أضطر أخيرا رئيس وزراء فرنسا للتحذير بأن على بلاده أن تتوقع مزيدا من الهجمات. كما سارعت الجمعية الوطنية الفرنسية الى اتخاذ قرار بتمديد حالة الطوارىء لستة أشهر أخرى، عندما كان الرئيس الفرنسي أولاند قد أعلن، قبل هجمة نيس، عن عزمه على عدم تمديد حالة الطوارىء لدى انتهاء الفترة المقررة لها سابقا ، أي في 26 تموز.

ويعزز احتمال تزايد ظهور حالات كثيرة وملموسة من حالات الذئاب المنفردة فيما تبقى من هذا العام، أن التحالف الغربي قد أعلن عن عزمه على تحرير المدينتين الكبيرتين في سوريا والعراق (أي الرقة والموصل) قبل انتهاء هذا العام، مما سيؤجج الحماس أكثر وأكثر في صدور الذئاب المنفردة، ويعزز الرغبة لديهم في ارتكاب مزيد من العمليات الانتحارية انتصارا منهم لموقف سادتهم الذي يزداد ضعفا يوما بعد آخر. ويعترف آشتون كارتر، وزير الدفاع الأميركي، اثر انقضاء مؤتمر ضم وزراء دفاع وخارجية 30 دولة من الدول المنضوية تحت جناح التحالف الأميركي، أن التحالف قد ينجح هذا العام في تحرير الرقة والموصل، مما سيضعف بشكل ملموس قوة الدولة الاسلامية. الا أن ذلك لن يضعفها عقائديا، كما قال وزير الدفاع الأميركي، اذ ستظل تواصل السعي لنشر أفكارها المتشددة، كما سيحاولون مواصلة الجهد لتجنيد الكثير من المقاتلين على أمل استعادة موقعها السابق كدولة قوية متحدية.

واذا كانت قضية مقاتلة الدولة الاسلامية يقع عبئها على التحالفين الروسي والأميركي، فان مقاتلة أو الحيلولة دون نجاح الذئاب المنفردة بتنفيذ اعمال جديدة مفاجئة ومفجعة، يقع عبئه على كاهل أجهزة الأمن في الدول الأوروبية والأميركية، بل وعلى كاهل أجهزة الأمن في الدول الشرقية أيضا. والواقع أن احتمالات تنفيذ عمليات كهذه في أي من تلك الدول، يظل احتمالا قويا وخصوصا في الدول الأوروبية، حيث توجد الكثير من نقاط الضعف. وقد لاحظنا بأن الدولة الاسلامية قد اخترقت الأمن الفرنسي أكثر من مرة، كما مورست على أراضيها العديد من عمليات الذئاب المنفردة. واذا كنت هجمة نيس هي الهجمة الأخيرة، اذ نفذت قبلها عدة عمليات كانت الذئاب المنفردة محورها. وكانت أهمها ثلاث عمليات نفذت في ثلاثة أيام متتالية وذلك في نهايات شهر كانون أول عام 2014 . وجرت المحاولة الأولي في 20 كانون اول، واستخدم المهاجم فيها سكينا طعن بها ثلاثة من رجال الشرطة. وفي اليوم التالي مباشرة، جرت عملية دهس متعمد بشاحنة في مدينة ديجون أدت الى دهس احد عشر شخصا. وفي اليوم الذي تلاه، أي 22 كانون أول، قام أحدهم يقود سيارة كبيرة الحجم، باقتحام سوق مزدحم للتبضع وشراء الاحتياجات اللازمة لأعياد الميلاد (كريسماس)، فدهس عشرة أشخاص جراح بعضهم كانت خطرة. وكان المهاجمون الثلاثة أثناء تنفيذ اعتدائهم، يطلقون هتاف “ألله وأكبر”.

فاذا كانت فرنسا وألمانيا وبلجيكا، وهي من الدول الكبرى والقوية في الاتحاد الأوروبي، قد واجهت هجمات قاتلة، فما هو الوضع بالنسبة للدول الأوروبية الأضعف، أمنيا على الأقل، كلوكسمبرح، امارة موناكو، الفاتيكان، السويد، النرويج وغيرها من الدول الأضعف؟

بطبيعة الحال لا بد من تفعيل تبادل المعلومات الأمنية بين الدول ألأوروبية بخصوص المشتبه بهم. كل ما في الأمر، أن منفذي الهجمات من الذئاب المنفردة، غالبا ما لا يكونون من المشتبه بهم، أو هناك بعض الاشتباه، لكنه اشتباه لا يقترن بما يكفي من الأدلة كما في حالة المهاجم في أورلاندو وفي نيس. وهذا ما يلقي الضوء على احتمالات المصاعب التي ستواجهها تلك الدولة في مسار مكافحة الارهاب بشكل عام، ومكافحة الذئاب المنفردة بشكل خاص.
مستشار في المركز الأوروبي العربي لمكافحة الارهاب – برلين.
عضو في مركز الحوار العربي الأميركي – واشنطن.
عضو في اتحاد الكتاب والمفكرين الأردنيين.
كاتب في صفحات الحوار المتمدن – ص. مواضيع وأبحاث سياسية.
عضو في رابطة الكتاب الأردنيين – الصفحة الرسمية.
عضو في مجموعة صوت اللاجئين الفلسطينيين، ومجموعات أخرى.

المصدر