لصراع ظاهرة دولية أساسها "الإنسان نفسه" قبل كل شيء، ولا علاقة لها بدين أو مذهب أو حتى عرق وجنسية، وليست حصراً على العرب وإن كان لهم منها نصيب كبير.

ومن آخر الصراعات الحديثة في أوروبا تلك التي حصلت في إيرلندا؛ ففي أواخر الستينيات بدأ الكاثوليك في إيرلندا الشمالية بالاحتجاج على التمييز والتعصب الذي يعانونه تحت وطأة الحكومة البروتستانتية، ونشب القتال بين الكاثوليك والبروتستانت وتبنى الجيش الجمهوري الإيرلندي قضية الكاثوليك، وعلى إثر ذلك أرسلت بريطانيا قواتها لإعادة النظام، وسرعان ما اندلع القتال بين الجيش الجمهوري الإيرلندي والجنود البريطانيين.

بالنظر إلى قضية الصراع تلك وللوهلة الأولى سيقال إن أساسه "المذهب" (الكاثوليك – البروتستانت)، لكن في حقيقة الأمر السبب الرئيسي هو "الظلم"، فعندما تنحاز الحكومة لفئة معينة أو ربما تكون منحدرة من جذور تلك الفئة، حينها يتولد الغضب بالطرف المقابل نتيجة الإحساس بالظلم، فتحدث المواجهات.

وبالنظر أيضاً لأطراف الصراع إبان الثورات العربية فقد هتفت الشعوب "الشعب يريد إسقاط النظام"، يتبين لنا أن طرفاها الأساسيان (النظام – الشعب) الحاكم والمحكوم، فشعور الشعب بالظلم لفترات طويلة يولد صراعاً داخلياً من المتوقع أن ينفجر في أي لحظة وإن طال صمته.

ولكي نوجد حلاً للصراعات المتأزمة علينا أولاً أن نتعرف إلى تلك الجبهات المتنازعة، وهذا ما انتهجته السياسة الأميركية فبعدما عانت من مواجهات (الأبيض – الأسود)، ونشوب خلافات واقتتال فيما بينهما رجعت الحكومة إلى أصل المشكلة، ألا وهي "الظلم"، فحاولت المساواة بين الطرفين في الحقوق والواجبات، بل وبإلزامهما احترام كل منهما الآخر، لكن وعلى الرغم من ذلك إلا أنه قد تحدث من حين إلى آخر بعض الصراعات البسيطة فيما بينهما، وهذا ما حدث أخيراً في حادثة "قتل شرطي أبيض لمواطن أسود أعزل".

وقد نجحت السلطات في التعامل مع الحادثة، وأدارت الأزمة بموجب "القانون" الذي يجرم المخطئ بصرف النظر عن لونه أو عرقه، فلم نشاهد مثلاً الرئيس الأميركي أوباما المنحدر من جذور أفريقيا "أسود" ينحاز إلى فئته، بل ترك القضاء هو الفاصل بينهما.

يقول "جون بيرتون" في كتابه (فهم وحل النزاعات): "إن ‬الصراع يتم حله، إذا ما كانت النتيجة تلبي الحاجات والمصالح لجميع الأطراف ذات العلاقة‮"، وهذا ما انتهجته الحكومة الأميركية في حل قضاياها الداخلية، وأيضاً عندما دخلت كوسيط لحل الصراع الإيرلندي.

لكننا افتقدنا ذلك حين وصل الأمر إلينا، فمازالت صراعاتنا قائمة وظاهرة على وجه الأرض وكل يوم نشاهد ضحاياها، أو تلك الباطنية المخفية والتي ستنفجر يوماً إذا لم نوجد مصطلح "إدارة الصراع"، في قاموس أجنداتنا الوطنية والإقليمية سواء السياسية أو الدينية.

‬‬‬‬‬‬‬‬ الأوضاع في العالم الإسلامي متأزمة، وهذه الصراعات المعقدة لن تتوافر إمكانية حسمها عبر القوة المسلحة لصالح طرف من الأطراف، فالحل ليس بالسلاح ولا هو بالتصالح وفرض السلام ووقف إطلاق النار، فقضيتنا لن تنتهي بهذه السهولة ولا بهذه الحلول المؤقتة، بل علينا الرجوع إلى أصل المشكلة (الظالم – المظلوم)، فهذا هو الصراع الأبدي في البشرية، فأي فئة عندما تشعر بالظلم ستثور على الفئة الأخرى السالبة لحقوقها.

غياب "الضوابط" عند الاختلاف، هي المشكلة الأولى التي علينا إيجاد حلٍ لها في وطننا العربي والإسلامي، وإن كان في تاريخنا العريق وديننا الحنيف ضوابط مهمة تغافلنا عنها، فقد قال الله تعالى:

(وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) [الحجرات 13]، وبهذا البيان نستدل على نقطتين مهمتين، الأولى أن الاختلاف متأصل في البشر، فلا يمكننا أن نجعلهم جميعاً ينتمون إلى فئة معينة، والثانية أن هذا الاختلاف سمة حضارية لنعيم الشعوب، والتعاون فيما بينها يجب أن يكون أساسه البر والتقوى، وليس الظلم والاقتتال، لقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).

ولكن نحن الآن بعيدون كل البعد عن هذه المفاهيم، وإن كانت من صلب ما نؤمن به، لذا علينا إيجاد منظومة الـ "قانون فوق الجميع"، يكون أساسها العدل، ومنهاجها التساوي، وسياستها المصالحة النزيهة.

فنحن نعيش على هذه الأرض ولا يمكن أن نمتلكها جميعها، وإيجاد هذه المنظومة لن يتم إذا انحاز طرف لفئة على حساب الأخرى، بل باتخاذ وضع المحايد، والفصل في هذه المسألة يكون بالعدل وبأساس الإنسان، وهذا لن يتم إلا بحالة واحدة فقط؛ وهو أن تنتهج الحكومات والسياسيون هذا المنهج، وإن لم يستطيعوا فالمهمة ستتحول إلى الشعوب ذاتها.

فمن الضروري أن يكون بناء السلام تحدياً مجتمعياً يتصارع من أجله الجميع، ويجب ألا ننهزم أو نستسلم أمام الضغوط السياسية أو المذهبية أو العرقية، فمهما كانت ميولاتنا واتجاهاتنا ومذاهبنا فنحن المتضررون الوحيدون من هذه الصراعات، وإن لم نؤمن بأن الاختلاف سمة حضارية وأن التعايش أساس استقرارنا فلن ننعم بهذه الحياة، وعندما يتأزم الصراع السياسي سنكون نحن أول من سيدفع الضريبة، إما من دمائنا وأرواحنا، أو من أموالنا وبيوتنا، وعلى الحكومات انتهاج منهج السلام، والابتعاد عن الاقتتال والحروب بأي شكل من الأشكال، لكي تساعدنا في العيش الكريم من دون صراع.

المصدر