لم تكن العلاقة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية يوما ضربا من التكهنات والتخمينات والتساؤلات، فما بين البلدين والشعبين البريطاني والأمريكي كبيرٌ بحجم المصالح الاقتصادية المشتركة وعميقٌ بعمق الإرث التاريخي والثقافي المشترك بينهما، وهو ما حمل ويحمل الكثير من المتخصصين والمهتمين والمحللين بهذا الشأن للاعتقاد بأن حجم ونوع هذه العلاقة ربما هو ما حال بين بريطانيا وبين العضوية الكاملة بالاتحاد الأوروبي كبقية الأعضاء وهو بالتالي ما جعل السفينة البريطانية مؤخرا بالجنوح تماما بعيدا عن الشواطئ الأوروبية.
وهو نفسه ما يجعل بريطانيا اليوم في حالة بحث ومراجعة للذات وعن الذات ما بين ترميم الهوية والثقافة والاقتصاد البريطاني المستقل، وما بين إعلان زواج كلي للولايات المتحدة الأمريكية ربما بنفس الطريقة التي تم بها الطلاق من أوروبا والاتحاد الأوروبي، بينما يلوح في الأفق خيار ثالث وهو تشظي المملكة المتحدة وتفسخ جغرافيتها وأقاليمها وإسدال الستار على الدولة البريطانية ذاتها.
صُدم العالم والرأي العام باعترافات توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق منذ بضعة أيام، كما صدم الرأي العام بالنفاق والانصياع التام من توني بلير من خلال رسائله والبالغة 29 رسالة سرية إلى جورج بوش الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية كما ذكر تقرير تشيلكوت حول حرب العراق. المثير للسخط ربما أن بلير يعتذر عن أخطاء هامشية في الحرب، لكنه لم يعتذر عن الحرب نفسها والتي يراها خلصت العالم من صدام حسين، فهو لم يعتذر عن تدمير العراق ولم يعتذر عن قتل ما يتخطى المليون عراقي ولم يعتذر عن تشريد ستة ملايين عراقي ولم يعتذر عن الزلزال الطائفي الذي خلفه غزو العراق واحتلال العراق والذي لا يزال إلى اليوم يحرم العراقيين الأمن والاستقرار.
ومن السخريات المقززة أن بلير لا يزال يكرر عبارته وهو أن العالم الآن أفضل بعد صدام حسين، رغم أن تقرير تشيلكوت ذكر أن داعش وشقيقاتها من التنظيمات الإرهابية في العراق والشام هو نتيجة من نتائج الاحتلال الأمريكي للعراق.
الرسائل السرية التي نشرها التقرير تثير علامات استفهام حول المؤسسات في الدولة الديموقراطية وكيف تعمل بطريقة تشبه تماما الآليات في بلدان الزعيم الواحد وكيف أن هذه الدول الديموقراطية أخفقت بالحد من اندفاعات رئيس الوزراء وحماسه منقطع النظير من خلال تأكيداته للرئيس الأمريكي على أنه سيمضي معه والوقوف جانبه بكل ما يتخذه من قرارات وإجراءات لإطلاق تلك الحرب ومن خلال التضليل الذي مارسه لتعمية الرأي العام.
لا أعرف ما الذي يمنع من طرح سؤال حول الفرق بين زعيم في العالم الثالث وزعيم في دولة ديموقراطية في مثل هذه الحالة إذا كانت قرارات الحروب الكارثية يتم اتخاذها بهذه الآليات وبتلك الدوافع والتزوير للحقائق حتى عندما يكون الثمن نزع حضارة من الخريطة البشرية وإبادة شعب بأكمله على الطريقة التي تمت بها إبادة وتهجير الشعب العراقي وتدمير بلد بأهمية وعظمة وقيمة حضارة العراق. ناهيك عن الحروب والقلاقل والصراعات الطائفية والتطرف التي عصفت بالدول العربية بعد احتلال العراق ونتيجة له
لا أعرف كم سينتظر العرب لتحل بهم نكبة بريطانية ثالثة بعد نكبة الشعب الفلسطيني ثم نكبة الشعب العراقي، ولا أعرف أي الشعوب العربية أو الدول العربية التي تنتظرها المؤامرة البريطانية القادمة، ولا أعرف لماذا تخصصت بريطانيا بالتحديد من بين سائر الدول الاستعمارية باستهداف العرب بمؤامرات وحروب ومكائد عبر تاريخها، ولماذا يصر البريطانيون على الحيلولة دون النهضة العربية ودون الوحدة العربية بل ودون بقاء العرب على قيد الحياة.
رغم ردود الأفعال غير الرسمية لبعض الشخصيات العربية والتي تصف توني بلير بمجرم حرب، إلا أننا توقعنا ولا زلنا نتوقع من الحكومة العراقية موقفا حازما تجاه توني بلير وغيره من المتورطين بكارثة العصر هذه وملاحقتهم قضائيا ومن خلال المنابر الحقوقية ومطالبة بريطانيا بالاعتراف بمسئوليتها عما لحق بالعراق والشعب العراقي. مثلما أن الشعب الفلسطيني والشعوب العربية ككل والحكومات العربية وجامعة الدول العربية مطالبون باستخدام كافة السبل لحمل بريطانيا للاعتراف بمسئوليتها عما تسببت به للشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى من كوارث وحملها على دفع تعويضات لهم جراء سياساتها حتى لو أسهم اعتراف البريطانيين بمسئوليتهم عن كوارث العرب إلى تفكيك بريطانيا (وهو أمر محتمل بعد تصويت البريطانيين لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي) وتمزيق جغرافيتها وفناء الدولة البريطانية قبل يفنى العرب ويفنى ما تبقى من حضارتهم.

المصدر