نشاطر الأشقاء العراقيين فرحتهم بإدراج منظمة «اليونيسكو» لمنطقة الأهوار ضمن مناطق التراث العالمي، ففي ذلك نصر معنوي كبير لهذا البلد العظيم المنكوب اليوم، والمهدد في وحدته، وتذكير جديد  بما يمثله من قيمة حضارية كبرى للعالم كله.

تروي الأسطورة العتيقة أن أحد آلهة السومريين بنى منبراً عائماً من القصب على وجه الماء المغمور، كأنه بذاك يؤسس لعلاقة من الحنين تشد العالم إلى هذا المكان الآسر الواقع في عزلة مهيبة ترتاح عليها قرى الأهوار في عالم مبهر يقع على خمسة عشر ألف كلم مربع، وهو عبارة عن بحيرات فسيحة مشمسة، حيث تمتد أكواخ القصب على الماء أشبه ما تكون بأسطول سفن مضاءة في بحر هادئ، وتتهادى على الماء أو تطير في السماء أسراب اللقالق وأفواج ناصعة كالثلج من البجع الجليل.

يذكرنا بذلك المشهد الذي لا ينسى للراقصات في باليه «بحيرة البجع» لتشايكوفسكي، وهن يشعلن خشبة مسرح «البولشوي» الشهير بدبيب أقدامهن الهامس، في تلك الأسطورة الآتية من قرون غاربة تضيء الحاضر كما المستقبل.

قبل نحو خمسة آلاف سنة كان السومريون أول من تعلم القراءة من شعوب جنوبي العراق، واختلطوا بالشعوب المحلية فأسسوا في منطقة الهور حضارة لا تضاهى.

كانت مدن سومر مبنية بأسوار أنيقة وهياكل وخنادق.

هناك ولدت الكتابة محفورة بقصب على ألواح طينية.

أحد الشعراء قال: إن الأهوار خليط من ضباب وماء ورياح باردة تنتحب ومطر يهسهس عبر الماء.

والأهوار مجموعة من المسطحات المائية التي تغطي الأراضي المنخفضة الواقعة في جنوبي السهل الرسوبي العراقي، على شكل مثلث تقع مدن العمارة والناصرية والبصرة على رؤوسه.

وتتسع مساحة الأراضي المغطاة بالمياه وقت الفيضان في أواخر الشتاء وخلال الربيع وتتقلص أيام الصيف.

تأثرت الأهوار التي كانت تعد أكبر بحيرة مائية في الشرق الأوسط بالعبث التركي بمياهها، ما أدى إلى انكماشها، وبالمناسبة فإن تركيا قاومت حتى اللحظة الأخيرة تسجيل المنطقة ضمن التراث العالمي، كما تأثرت الأهوار بعمليات التجفيف التي ارتكبها النظام السابق انتقاماً من أهاليها الذين انتفضوا عليه بعد حرب الخليج الثانية، ولكن شيئاً كثيراً من الحياة عاد إليها بعد إعادة ضخ المياه.

ذلك العالم الندي، البكر، الجميل والمسكون بالشعر والألفة أصبح محط الأنظار بعد النجاح في تسجيله منطقة من مناطق التراث العالمي، كأن العراق المبتلى عبر عقود بالديكتاتورية والاحتلال والإرهاب وحروب أمراء الطوائف يذكر العالم بأن على أراضيه نشأت أعظم الحضارات، وكأن أعداء الحضارة، من خارجه ومن داخله، ينتقمون منه لأنه أول من وهب العالم الكتابة والشرائع.

المصدر