أسماء العطاونه - باريس - القدس العربي

 في سنوات الخمسينيات، أو في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أثبت السينمائيون أن السينما قد تكون الحل الوحيد الذي يخرج فيه المخرج، كما المشاهد، من واقع الحرب وأثرها المدمر في حياته. لقد كشفت السينما، خاصة السينما الإيطالية، حيث انبثق فجر النهضة الأوروبية، عن اندلاع نوع آخر جديد من المعالجات السينمائية عن طريق صناعة الأفلام المغايرة تماما عن تلك التي تعرض في هوليوود. لقد مل الإيطاليون الأفلام التخديرية التي تأتيهم من هوليوود، والتي استخدمت بكثرة خلال حكم موسوليني لتخدير الناس وابتعادهم عن حكم فاشي لبلادهم. وربما يعود انبثاق السينما التنويرية، إلى قرار منع وقمع العديد من الأفلام السينمائية الإيطالية خلال حكم موسوليني، ليشكل زوال القمع، مدرسة الواقعية، التي قدمت إلى العالم فنا جديدا عبرت من خلاله عن واقع الشعب الإيطالي. تعد سينما روزوليني وفيتوريو دي سيكا من أهم الأمثلة للسينما الواقعية في إيطاليا، التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية. لقد استطاع هؤلاء المخرجون وصف الأزمة الاقتصادية التي وقعت في بلادهم، سواء كانت بسبب الحرب أو استخدام الاستديوهات كمخازن للأسلحة، أو عن طريق سرقة المعدات السينمائية. لقد اقترب هؤلاء المخرجون من الشعب ومن قضاياهم ومن همومهم، فخرجوا للتصوير إلى الشوارع، مبتعدين عن الاستديوهات، موثقين وناقلين لواقع المواطن الفقير، من دون أي تصنع أو افتعال، وبطريقة موضوعية وصادقة قريبة إلى واقعهم.
ومن أهم الأفلام التي يمكن الحديث عنها هو فيلم «الوسواس» لفيسكونتي، كونه يحتوي على جميع مصادر ومعطيات تصوير الواقعية، وفيلم «أناس وادي بو» الوثائقي الأول لأنطونيوني، الذي يتحدث فيه عن حياة الصيادين حول نهر بو في إيطاليا. لقد اختار أنطونيوني الحديث عن حياة الصيادين وشقائهم في فيراري مسقط رأسه، ممثلا بذلك المدرسة الواقعية، لينفصل ويتمرد عنها فيما بعد وشيئا فشيئا ليشكل ما يعرف بمدرسة الحداثة وما بعد الواقعية في السينما الإيطالية.  لقد ابتدأ أنطونيوني رحلته في تصوير الأفلام الروائية الطويلة عبر فيلمه «يوميات علاقة حب» الذي كشف عن بداية الاختلاف والتميز في سينما أنطونيوني. لأنطونيوني نظرة خاصة لما يدور من حوله، هو الذي عاش الفاشية، ودرس في معاهد السينما الممولة من موسوليني، وعمل في أحد المصارف المالية، وترعرع في مدينة ازدهرت حضاريا وثقافيا لتغذي روحه ومهارته الفنية في كافة المجالات كالهندسة المعمارية والرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي.
إن لتجارب أنطونيوني الخصبة تأثيرا كبيرا في تشكيله لفلسفة سينمائية خاصة به، بعيدا عن عالم سينمائي إيطالي كفيليني، ديسكونتي، روزوليني أو بازوليني. لقد استطاع أن يبتعد عن تمثيل القضايا الكبرى وتصويرها سينمائيا كغيره من السينمائيين الواقعيين في إيطاليا أو المسائل العامة التي تعبر عن آراء سياسية وحشود من الناس المتظاهرين ضد الفاشية كأفكار وأفلام بازوليني مثلا، التي توضح في أغلبها مقته للسلطات والفاشية والدين.
أنطونيوني وعكس فيليني أيضا، الذي أعتبره أقرب إلى سينما المؤلف الـ«تجارية» والعامة باستثناء بعض الأفلام طبعا، فلأنطونيوني ذوق رفيع ومهارة تختلف عن غيره في استخدامه للفن، للهندسة المعمارية، الألوان والفلسفة لوصف الإنسان كفرد منعزل عن محيطه، والإنسان التائه والضائع في مجتمع يزدهر اقتصاديا بعد سنوات من الحرب والدمار والفاشية.  ولربما عبّر ذلك عن نفسية أنطونيوني نفسه، وعزلته عما يحيطه، سواء بتصويره لنوع جديد من السينما بعيدا عن الواقعية، وإن ابتدأ تاريخه السينمائي في تصوير «أناس من بو» ووثائقي عن «الصين» أيضا، الذي منعت السلطات الصينية عرضه آنذاك لكونه ضد «الشيوعية» وضد «الصين» من وجهة نظرها. انتُقد انطونيوني بسبب فيلمه «المغامرة» وفرضت عليه الرقابة الإيطالية بأن يقص لقطة يقوم فيها البطل بتقبيل رقبة البطلة، وهوجم من النقاد عالميا، كونه يمثل سينما «الملل» التي لم يكن متعارفا عليها بعد، وذلك لاستخدامه طريقة تصوير لقطات طويلة وحالة ملل الشخصيات في أفلامه من الواقع الذي يحيط بها. فيلم «المغامرة» هو أيضا بداية لفيلمين آخرين سيتحدثان عن علاقة الإنسان بمحيطه.. نفسه ومع الآخر!
وتقوم بدور المرأة في الأفلام الثلاثة رفيقة دربه مونيكا فيتي، التي تجسد الجمال الأنثوي التائه، الذي لا يجد مكانا له في إيطاليا جديدة تتسارع في إعادة تشييد نفسها. إن ما يميز فيلم «المغامرة» وما سيتبعه من أفلام أخرى «الليلة»، «الكسوف» و«الصحراء الحمراء» هو اتباع الإسلوب نفسه في ضياع الإنسان، الذي نتقرب إليه عن طريق المرأة، فعالم أنطونيوني يجسد المرأة ويهتم بها وبنظرتها وحسها المرهف وقوتها، أمام الرجل الذي لا يتعدى تصويره له لدقائق في لقطات أفلامه! يظهر الرجل، سواء كان كاتبا مميزا، رساما معروفا أو سينمائيا يبحث عن بطلة لفيلمه أو حتى عاملا في مصرف لبورصة مالية، بصورة «تمحي» وجوده وتخفيه وتقلل من شأنه وأهميته، حين تظهر لنا المرأة أمامه أو في إطار اللقطة المصورة نفسها.
المرأة في أفلام أنطونيوني، فاتنة، جميلة، قوية تتخذ القرارات في أن تكون حبيبة لمن تريد، أو تنفصل من علاقة مملة مع رجل ممل في حياتها، حتى لو كان هذا الرجل معروفا ولديه حياة مهنية ناجحة نسبيا. وأذكر هنا شخصية الكاتب في فيلم «الليلة» وبراعة تصوير أنطونيوني للملل والوقت وعلاقة المرأة بالرجل وعلاقة المرأة بنفسها وبامرأة أخرى.

لأنطونيوني براعة أخرى في تصوير العزلة النفسية التي يعاني منها أبطال في أفلامه، مستخدما بذلك الهندسة المعمارية، كمبنى مهجور يشبه مركبة فضائية في فيلم «الخسوف»، وجدران عالية تحيط ببطلة فيلم «الليلة»، في لحظات وجودها مع نفسها وفي عزلتها عما يحيطها. كما يستخدم أنطونيوني مباني وعمارات مهدمة في الفيلم نفسه، ليرافق البطل والبطلة في دورهما لرجل وامرأة يشعران بملل علاقتهما منذ سنين طويلة التي تجمع بينهما، ويحاولان دون جدوى إرجاع لحظات الحب الأولى، لقد أتت الجدران المهدمة هنا إشارة إلى هدم العلاقة الثنائية بين البطل والبطلة في الفيلم وأتت أيضا لتصور نوستالجيا أنطونيوني لإيطاليا قديمة تهدم لتبنى محلها مصانع وشقق حديثة!  في فيلم «الصحراء الحمراء» الذي يعد الفيلم الملون الأول لأنطونيوني، نرى مجددا البطلة التي تمثل دورها مونيكا فيتي «ممثلته الفيتيشية» كإمرأة هشة هذه المرة تعاني من «أزمة نفسية» تعزلها عن محيطها وزوجها وابنها وتجعلها تعيش معظم حياتها بين الحلم والواقع، مؤكدة لفكرة موت الرومانسية التي يرتكز عليها الفيلم. أنطونيوني هذه المرة اختار المصنع وآلاته وضبابه وقمامته المحيطة بالأبنية والملوثة حتى للبحر، لكي يرافق «أزمة بطلته النفسية» فنصبح كمشاهدين معزولين أيضا عنها، من خلال الضباب وصوت الماكينات، وليلتبس علينا الأمر ونشكك في ذواتنا، وفي ما تراه البطلة في رأسها من «أزمات ووحدة»، وما نراه نحن من واقع يحيطها، فنرى ضوءا زهريا مثلا، يحيط بها خلال عدة لقطات من الفيلم، وننسى بسهولة كون هذا اللون مجرد خيال في عقل البطلة الحالم وفي لاوعيها.
لقد استطاع أنطونيوني أن يخلق، وكما أشرت، جوه الخاص به وأسلوبه المميز الذي يكشف عن ذائقته الفنية الرفيعة، وكذلك حساسيته المرهفة في فهم العالم من حوله، من دون أن يهتم بقضايا كبيرة كالفاشية والنازية، بل يدقق أكثر في معالجة الإنسان في العصر الحديث وفي أوروبا ما بعد الحرب. فأخذ يتقرب شيئا فشيئا من دراسة الإنسان كفرد يتعامل مع محيطه بحذر وشفافية، فإما أن ينخرط به أو ينعزل عنه.
ولكي يخرج أنطونيوني من نطاق معالجة مفهوم العلاقات من وجهة نظر نسائية فإنه استطاع، وربما بعد انفصاله عن مونيكا فيتي، من البدء في معالجة جديدة للفرد في أفلامه مبتعدا عن إيطاليا ومتوجها إلى بريطانيا هذه المرة، ليصور الرجل في فيلم «بلو آب» الذي يتحدث عن مصور فوتوغرافي شاب، مشهور وطموح، يكتشف بالصدفة جريمة قتل في حديقة عامة من خلال تصويره لامرأة ورجل عاشقين، يتعانقان في حديقة!
الفيلم مركب من الصدف المحضة التي تجعل البطل في صدام دائم مع واقعه، وفي حالة تشكيك دائم لما يراه، تماما كحالة مونيكا فيتي في «الصحراء الحمراء». في الفيلم نرى مدى اهتمام أنطونيوني كمخرج في عالم الموضة والأزياء والتصوير الفوتوغرافي حيث يركز على الوضعيات لأجساد الأبطال وألوانها وتحركاتها لتناسب عالم البطل وأفكاره وتعامله مع ما يحيطه.  كما يرتكز الفيلم على نقطة رئيسية يختص بها أنطونيوني في جميع أفلامه وهي لعبة وفن «الاختفاء» والـ«ظهور من جديد» ربما لشد انتباه المشاهد فتصبح لدينا زعزعة فيما إن كان ما نراه حقيقة أم مجرد وهم وحلم. إن معالجة أنطونيوني لمسألة الاختفاء والظهور تظهر في فيلم «بلو آب» حين يرى البطل ونحن كمشاهدين جثة مكبرة في الحديقة التي التقط فيها المصور اللقطات للعاشقين، ومن ثم اختفاء الجثة في اليوم التالي، وكذلك ظهور المرأة في الصورة في شقة المصور لتطالبه بالصور، ومن ثم اختفاؤها المفاجئ أيضا من حياته!  فنصبح كمشاهدين مرتبطين بقصة الجثة وما يحدث في عالم هذا المصور الشاب، ولكن سرعان ما ننسى قصة القتل لنعود إلى البطل وحياته، حين يصادف مجموعة من الشباب والفتيات المتنكرين والذين يلقون إليه بكرة وهمية فيعيدها إليهم وهو يعي تماما بألا وجود لأي كرة في يده!  مسألة الخيال والواقع متكررة في أفلام أنطونيوني وهي ما يميزه عن غيره من المخرجين وما يفصله عن السينما الحداثية، أو سينما ما بعد الواقعية، التي لا يمكن اعتبارها تجريبية محضة بل كمزيج من التجربية والواقعية والمابعد الواقعية في الوقت ذاته، ترتكز على الإنسان «الحديث» ومشاعر الوحدة والعزلة عن محيط يرفض كأنطونيوني أن يتأقلم معه!!