عقل يهلوس أحيانا، يدخل في حوارات مع ذاته، يريد أن يتبلور في حضورنا الجغرافي والزمني، أن يتخطى حدود الجسد ليتحرك في مدى أوسع، هو ينطق في رؤوسنا، يكلمنا، يحركنا، ليتحكم بمفاهيمنا التي نتبناها وكأن له عالمه المنفصل، يطرح علينا تساؤلات عن ماهية الأشياء وأسباب حدوثها، يسألنا لماذا نمارس الانقسامات كالخلية ولا ندرك أنه (إن أعطينا الفأر الكعكة سيرغب بالحليب) وان التنازلات لن تتوقف، وأننا جميعا سننام في مهد الحقيقة وتضيء نجومها غفلتنا عن العالم الذي يمارس ساديته، وأن القضية الوحيدة التي علينا أن نتبناها هي إعادة نشر مفهوم الحب والتأكيد على ضرورته، فلا نترك وجوهنا تغرق في قسوة الزمن فيجف التوت على شفاهنا، وألف شظية تخبئها ابتسامتنا التي تشبه غثيان الموت، فتحاصرنا كوابيس الواقع ونعيش التصحر العاطفي ونفقد قدرتنا على العطاء ونتخلى عن إرادة المنح وحصاد بهجته ومتعته، تسكننا عتمة الموت وننسى أن الشمس تشرق لأجلنا ويسهر القمر على شرفاتنا، نقتل أرواحنا العاشقة ونميت نبضنا الذي يبقينا على تماس مع الحياة، فنزاول العيش بفكر العبيد ونعرض في سوق النخاسة أحلامنا، فنحن لم نعد نتقن الحب وتبنينا ثقافة الكره والحقد.
معظمنا كان يظن أن الحب يسقط علينا حين تتقاطع نظراتنا فيصيبنا سهم (كيوبيد) بمقتل، ونبدأ بالعمل عكس مصلحتنا وضد كل ما كان ثابتا بحياتنا ثم تضعنا التجربة أمام نكساتها، الحقيقة الحب فكرة ككل المفاهيم كالجمال والعدل والظلم والبراءة، نحن نتجاهل أن الحب ببساطة لا يسقط بل يخرج من داخلنا ونحن من نسقطه على العابرين في حياتنا ونتوجهم على قلوبنا خوفا من الوحدة، هنا يبدأ عنكبوت الحاجة ببناء الأحلام الواهية، وفي خضم كل هذا ننسى أن نحب أنفسنا فندور في فجوة ما نريد وما صادفناه وقت حاجة، وتولد معايير جديدة تحاول جاهدة أن تتكيف مع الواقع، ومع هذا لا يمكننا أن نتخلى عن فكرة الحب ولا عن وهمها ولا عن جنونها، ونقف في منطقة اللاموقف، نخشى أن نعلن عن رغبتنا بأن نكون كائنات محبوبة فنختار اللون الرمادي، هذا اللون الملتبس الذي لا يمكن التعويل عليه، فلا بد أن ننحاز إلى وقاحة الحقيقة وقسوتها، غالبا الدبلوماسية ستقتل العقل والروح، من هنا من المهم أن يكون الإنسان تصادميا في بعض الأحيان ليخرج بنتائج أقوى وأكثر ذاتية ليتمكن من إيجاد عالم قادر كحد أدنى أن يتكيف معه ويعيش بتوازن مع حاجته وقوانينه.
الحقيقة تؤلم ولكنها ضرورة لنتقن فن العيش مع انتشار اللون الرمادي في عالمنا، لا براهين نقدمها لأنفسنا إلا تباكينا على سوء اختياراتنا لأننا نرغب في الحب الذي نظنه طريقنا إلى السعادة، لكن الحب ليس كاملا فلا كمال على هذه الأرض، فحين نبلغ الحب قد نصطدم بأن الآخر لا يرانا كما نراه، لا يمكننا أن نشرح للآخر كيف يحبنا أو كيف يساندنا لأن العالم بات جمرة نمسكها بأيدينا، فذاك الذي يقف على فوهة بركان لا يمكن مقارنته بمن يتسلى بأرجحة أقدامه تحت شلال ماء.
فلنلحق بأحلامنا مدركين أن للأمنيات جهة واحدة وللأحلام عدة جهات وللعقل مادية تفرض قسوتها وللروح مسارها، ففي جمهوريات الفشل اليومي تسقط الأحلام بلا مقدمات ونقضي أعمارنا نتعايش مع خسارة فرص الحب والسعادة المنشودة وغالبا لا نحصل إلا على الاستسلام لقضاء الله.
الحب يبدأ من حبنا لأنفسنا وينتهي بحبنا لمحيطنا الضيق وللعالم بأكمله، فلنقتل الحقد والكراهية بقلوبنا ولنتبنى فلسفة الحب الذي مهما عظم شأننا سنبقى نحتاجه لنشعر بكينونتنا.

المصدر