تلفتني كثيراً تلك المقولة التي يرفعها عددٌ لا بأس به من الناس، والتي تقوم على استسهال التأكيد بأن "الرحابنة سارقو ألحان"، مستطردين أنه، لهذا السبب، لا يستحق فنّهم الاستماع إليه ولا الاستمتاع به، بل لا يمكن اعتباره فنّاً!
 المفاجئ أن بين هؤلاء من يعمل في الحقل الموسيقي- الفني، أو يهتم به ويتابع أخباره، وبالتالي يمتلك درايةً وافية بأسمائه ‏ومبدعيه، ورؤيةً وافية لتاريخ الموسيقى وتطوّرها ومحطاتها، أقلّه في العالم العربي، لكن المشترك بين أصحاب هذه المقولة، هو استنادهم إلى "مجموعة" ألحان قام الرحابنة بـ "سرقتها"، كما يقولون، أو "مقاربتها"، إذا شاؤوا تلطيف التوصيف، ويعددّون في الغالب بضع أغانٍ أكاد أجزم أن معظمهم لا يعرف لمن هو لحنها الأصلي.
ومن خلال متابعتي لعددٍ كبيرٍ من هؤلاء، وبينهم أصدقاء أعزاء وآخرون "فايسبوكيون" وغيرهم بالكاد أعرفهم، يمكن اتسخلاص أن "كنز المسروقات" الرحبانية التي يطبّلون لها يكاد يكون محصوراً بهذه الأغنيات:
- "يا أنا يا أنا أنا وياك"، واللحن من السمفونية الأربعين لموزارت.
- "كانوا يا حبيبي"، من الفولكلور الروسي Poliushko Polie. 
- "لينا ويا لينا"، من كونشرتو الكمان للموسيقار الألماني فيليكس مندلسون، وبالمناسبة تؤديها هدى، وليس فيروز، كما يذكر بعضهم.
- أغنيات من الفولكلورين اللبناني والعربي، ليست بخافيةٍ على أحد.
أنا أنا فسأكون كريماً بعض الشيئ، لأضيف أن الرحابنة، والمقصود طبعاً الأخوان عاصي ومنصور الرحباني، قد وضعا كلماتٍ من نظمهما ليس فقط لثلاث أغنيات استوحياها من موسيقى عالمية وغربية معروفة، بل عشر أغنيات، وعشرين وخمسين وحتى مئة أغنية، فهل يلغي هذا دورهما وموقعهما وإسهاماتهما التي لا يمكن حصرها في فنون الغناء والموسيقى والمسرح والسينما والشعر والثقافة والإبداع في لبنان والعالم العربي؟ بل هل يبيح هذا الأمر "جرأة" كلّ من شاء أن يتهمهما بالسرقة؟ أو أن يؤسس أحدهم موقعاً إلكترونياً أو صفحة على "فيسبوك" يعرض فيها "السرقات" الرحبانية، مكرراً تلك التي ذكرناها، ومضيفاً إليها ما يخلط فيه بين ما هو للأخوين عاصي ومنصور، وما هو لزياد الرحباني، وبين ما أدّته فيروز، وما أدته هدى أو غيرها من اللواتي شاركن في المسرح الرحباني؟
ففي مقابل هذه "السرقات" المئة، يتغافل هؤلاء عن آلاف الأغنيات الفردية واللوحات الغنائية التي سكبها الأخوان رحباني بأصوات الفنانين فيروز ووديع الصافي ونصري شمس الدين وصباح، ومعهم أصوات لنجوم مثل جوزف عازار ووليم حسواني وإيلي شويري وملحم بركات وجوزف ناصيف ومجدلى وغيرهم الكثيرين، ويتعامون، أو لعلهم يجهلون، أن الأخوين رحباني تركا للمكتبة العربية 22 مسرحية، اغتنت كلٌّ منها بشخصياتٍ صارت حاضرةً في صميم حياتنا اليومية، وبأغنياتٍ نستقبل بها شمس الصباح، ونعايش معها ساعات يومنا، ونغازل بها نجمات الليل، ونرسم أحلى الأحلام، وبمواقف نؤسس معها لفكرة الحرية وقيم المحبة وانتصار الخير على الشر والنور على الظلمة، وطروحات تجعلنا ننتفض في وجه الطغيان وننحاز إلى الناس في وجه ظلم السلاطين، وتؤجج في نفوسنا روح التغيير والتوثب إلى الأفضل والثورة على الظلم والسعي إلى بناء وطن العدالة والإنسان.. أغنيات سكبت كلماتها عبقريةٌ شعرية، وأسهم فيها، إلى الأخوين رحباني، كبار الشعراء اللبنانيين والعرب، وغنّت لقضايانا الصغيرة والكبيرة، وكسرت تركيبتها اللحنيةُ النمطَ الذي كان يسود قوالب الغناء العربي، وابتهجت فيها الآلات أداءً لتوزيعٍ موسيقي تجاوز مونوتونية عزف كل الآلات في مصاحبة صوت المطرب، وتعانقت فيها أساليب التلحين المشرقي الروح بالتوزيع الموسيقي الغربي والعالمي.. ‏
مقابل هذه "السرقات"، اخترع لنا الأخوان الرحباني قصصاً استوحوها من واقعنا، أو جعلونا نستوحي أحلامنا الحلوة منها، وابتكروا قرىً ومدناً وساحات جعلوها دائمة الانحياز إلى الحب وقيم الخير والتعاضد والأخوّة، وشاهداً على الولادة المتواصلة للحرية من رحم الأحزان والفقر والمعاناة، و"خلقوا" شخصياتٍ باتت رموزاً نستحضرها في المحطات المختلفة من حياتنا، منها "راجح" و"فاتك المتسلط"، و"سبع"، و"مخول"، و"لولو السويعاتية" و"البويجي" وغيرها الكثير.
مقابل هذه "السرقات" كان الأخوان الرحباني أول من أسس لصيغة البرامج والإسكتشات الغنيائة الإذاعية والتلفزيونية، ولا أذكر أن غيرهما فعل ذلك أو كرّره في عالمنا العربي، ولعل أشهرها البرنامج التلفزيوني "ساعة وغنّيّة"، وعشرات البرامج التي كانت تبثّ حيّةً عبر الإذاعة اللبنانية، وقبلها عبر أثير إذاعة "الشرق الأدنى".
مقابل هذه "السرقات"‏، أسس الأخوان الرحباني للسينما اللبنانية، ولهما فيها ثلاثة أفلام هي ‏"بياع الخواتم"‏ و"سفر برلك" و"بنت الحارس"، وتعتبر من أيقونات الفن السابع، ولاسيما أنها أبصرت النور في ستينيات القرن الماضي، لكنها تنبض بلمساتٍ فنية رائدة، قِصةً ومعالجة درامية وتصويراً وموسيقى وألواناً وإخراجاً.
أفلا تعذر كل هذه الإبداعات التي أوردناها باختصارٍ شديد "سرقة" بضعة ألحان من هنا أو هناك، لم يكن الأخوان الرحباني في الأصل ينكران أنهما استوحياها من مصدرها الذي كانا يذكرانه؟ أم أن استسهال إطلاق الاتهامات بل الأحكام بات سمةً عامة تكرّس حضورها في وسائل التواصل الاجتماعي تحديداً، حيث لا رقيب ولا حسيب، وحيث "اللايك" هو الأساس والمقياس؟!

بسام سامي ضو/ دبي