اشق بلا وطن عاطفته تسهم بولادة حروفه وتحريك مشاعره صوب الرؤى لتمنح حياته معنى وعطراً وأبعادا .. يعيش الحب و لا يسنتج عنه قصائداُ عاطفية وغزلية وإنما قصائد وطنية وإنسانية سيما وهو العاشق بلا وطن فكانت حبيبته ملاذه وسكناه و مفجرة قريحته اللغوية والصور والبلاغة والبيان وتشكل لديه منظومة الإيقاع الإبداعي . بدأ في كتابة الشعر ثم انتقلت إلى القصة القصيرة ثم الرواية، وظل الشعر هو القاسم المشترك للمراحل جميعها، فصدر له ثلاث مجموعات قصصية، وسبعة دواوين شعرية، وثلاثة عشرة رواية، وكتابان في التوثيق الثقافي والنقد الأدبي .” الحسام نيوز ” وعبر الأثير ضيف الشاعر والروائي الفلسطيني أنور الخطيب وخاض معه حواراُ موسعاً ليخرج بالمحصلة التالية :
* كيف يقدم ضيفنا نفسه لقرائنا الكرام ؟
– شاعر عربي فلسطيني، من أسرة فلسطينية نزحت إلى لبنان في العام 1948، أي بعد النكبة مباشرة، وولدت هناك، وولدت معي أسئلتي الكبرى عن الوجود والوطن واللجوء والمنفى، أكملت دراستي الجامعية في جامعة قسنطينية في مدينة قسنطينة في الجزائر، ثم انتقلت للعمل في الكويت ثم الإمارات وما زلت في أبوظبي. بدأت في كتابة الشعر ثم انتقلت إلى القصة القصيرة ثم الرواية، وظل الشعر هو القاسم المشترك للمراحل جميعها، فصدر لي ثلاث مجموعات قصصية، وسبعة دواوين شعرية، وثلاثة عشرة رواية، وكتابان في التوثيق الثقافي والنقد الأدبي.
* متى تجسدت لديك الرغبة الإبداعية؟
– لا يمكن ربط بداية انطلاق التجربة الإبداعية بتاريخ معيّن، فالكاتب أو الشاعر يطرح أسئلته الخاصة التي يستقيها من الواقع العام، ثم تبدأ رحلة البحث عن إجابات عن طريق القراءة والاستماع والمشاهدة، فيخزن الصورة والحدث والفكرة، وخلال هذه العملية التي لا تنتهي أبدا، يبدأ الكاتب بمحاولة التعبير مقدّما الفكرة على الشكل الفني، وتجسيد هواجسه بمفردات وجمل مستجيباً لإيقاعه الداخلي، غير عابئ بالمدارس الأدبية والانتماء إليها، فما يجيش في داخله أكبر من أن تقيّده مدرسة أو شكل فني، وأستطيع القول أنني بدأت محاولاتي أو (خربشاتي) في المرحلة الاعدادية أي المتوسطة، وكانت تشتعل وتخبو وفق ظروف المكان والمجتمع والقراءات والمدرسة. ولم أعرف كيف يمكن للمرء أن يكون كاتباً أو يحترف الكتابة بفنونها وفنياتها إلا في السنة الجامعية الأولى، حين عرضت قصة قصيرة على الدكتور عبد الرحمن الكيالي وهو مفكر وكاتب وتربوي فلسطيني توفي في الأردن (رحمة الله عليه)، بدأت رحلة الوعي الكتابي، وبدأ يتابعني ويرشدني ويمكنني القول بمحبة أنه (ورّطني) لأتعاطى الكتابة. ومنذ ذلك الوقت ورغبتي الإبداعية لا تتوقف، وأشعر بضيق كبير لو لم أكتب ليومين، فالكتابة فيها وهمٌ استشفائي كبير، وكما قال الراحل محمود درويش، فإن خطورة الكتابة تكمن في أنها تشعرك أنك أديت واجبك على أكمل وجه.
* بمن تأثرت من الشعراء والأدباء، ولمن تقرأ ؟
– قرأت كثيرا لشعراء العصر الرومنسي الإنجليزي خلال دراستي للأدب الإنجليزي في الجامعة، فهؤلاء كتبوا في الطبيعة والطفولة والحب ضد الدخان وهدير المصانع الذي أحدثته الثورة الصناعية، وأحببت أساليبهم ورؤاهم ومواقفهم وأنسنتهم للطبيعة، وتابعت بكثافة نتاجات الشاعر الكبير الراحل محمود درويش الذي تحول إلى شاعر عالمي، إضافة إلى متابعتي للشعراء الفلسطينيين مثل فدوى طوقات وسميح القاسم وأحمد دحبور، وتابعت شعراء عرب كثيرين مثل أدونيس والجواهري والبياتي وأحمد مطر ومحمد عفيف مطر وعبد الرحمن الأبنودي وأحمد شوقي وغيرهم الكثير، لكن محمود درويش سكنني لسنوات طويلة، فمدرسته متنوعة وثرية وتحيلك إلى ثقافات عربية وعالمية قديمة وحديثة. وعلى المستوى الروائي، قرأت معظم أعمال الراحلين غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي وعبد الرحمن منيف، ونجيب محفوظ وإدوارد الخراط ويوسف القعيد والقائمة تطول. وأحرص على قراءة أي عمل يحاكي هواجسي ويفتح أمامي آفاق الكتابة.
* ما الطقوس التي تسهم في ولادة نصوصك الشعرية؟
– هناك مثيرات للكتابة، هذا أمر أكيد، وأهمها الانشغال ومتابعة القضية الفلسطينية بكل تجلياتها وإشكالياتها، والأحداث التي تعصف بشعبها في الداخل وفي الشتات، وهناك الانشغال بالأسئلة الوجودية التي لا يستطيع أي شاعر حقيقي تجنّبها، وهناك عاطفة الحب، وهي المحرض الرئيس، والطقس بالغ الأهمية في تحريك المشاعر والرؤى ومنح الحياة معنى وعطراً وأبعادا، وأن تعيش الحب لا يعني أنه سينتج عنه قصائد عاطفية وغزلية فقط، وإنما قصائد وطنية وإنسانية، خاصة إذا كان العاشق بلا وطن، فتكون الحبيبة ملاذه وسكناه، وتكون مفجرة اللغة والصور والبلاغة والبيان، ومنظمة الإيقاع الإبداعي. أما طقوس الكتابة فلا بد من توفر العزلة التامة والصمت، ويمكنني القول إن الكتابة تنتج عن الخلوة الشرعية مع ذاتك، تراودها عن لغتها وتراودك عن معناك، والعزلة شرط للكتابة الشعرية أو الروائية والقصصية بشكل عام، ولست ممن يكتبون في المقاهي والمطاعم، إنما قد أكتب في خلوة مع الطبيعة.
* ماتقيمك للحراك الأدبي في المنطقة العربية في المرحلة الحالية ؟، وهل أسهمت الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل ايجابياً بزيادة رقعة وحجم الحراك؟
– لا أدعي الإحاطة بتفاصيل الحراك الأدبي في المنطقة العربية في المرحلة الحالية، لكن الأحداث التي تجري في الدول العربية ألقت بظلالها على النتاجات الإبداعية وخاصة الروائية، فمعظم النتاجات تتحدث عن الاستبداد والدكتاتورية والتطرف والتنظيمات المتوحشة، وقد ساهمت الجوائز الأدبية، الروائية بشكل خاص في تكريس هذه المضامين التي كانت تأتي على حساب تقنيات العمل الروائي. ولم ينج الشعر من هذه الظاهرة إلا أنه لم يتسجب لها كما فعل الروائيون، وهذا عائد ربما إلى الطبيعة السردية للرواية وقدرتها على التقاط المشهد بتفاصيله ورسم الصراع بين الأطراف، أما الشعر، ورغم قدرته على التقاط المشهد إلا أنه لم يستجب كما ينبغي، وانسحب الشعراء للكتابة عن الحب والإنسانيات. وبشكل عام، يمكنني القول أن المثقفين عجزوا عن القيام بدور مهم في هذه المرحلة التي انطلقت منذ ست سنوات تقريباً، ونأوا بأنفسهم عن اتخاذ موقف لعدم توفّر تصور لما ستؤول إليه الأوضاع، وربما فضلوا التزام الصمت لغياب ثقتهم بالأنظمة الحالية، وكذلك الأنظمة المخلوعة. وفي ساحات أخرى فإن المثقفين يرددون ما تقوله قياداتهم، فما شاهدوه من خراب في دول أخرى جعلهم يتمسكون بقياداتهم كحصن قوي، ولهم مبرراتهم، فالتغيير لم يكن على مقاس طموحات الشعوب وجدارتها.أما بالنسبة لدور الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، فإنها تقوم بدور مذهل في تعريف الشعراء بالشعراء، وتعرف القراء بالشعراء، وتعريف الناس ببعضها البعض بعد أن علت الجدران بين الأوطان. بالنسبة لي لعبت وسائل التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية بشكل عام دورا كبيرا في التعريف بي، وفي التواصل مع آلاف القراء في الوطن العربي والعالم، وقد كونت أصدقاء حقيقيين من خلالها، أما قضية النشر في هذه الوسائل والمواقع، فتثير جدلا واسعاً، لكنني على الصعيد الشخصي أعطي الحق لأي إنسان في التعبير عن نفسه بالطريقة التي يريد، واللغة التي يختار، ولا أحد يستطيع حرمانه من هذا الحق في هذا العالم المفتوح، وكثيرون كتبوا وتوقفوا، الأمر مرهون بالاستمرارية والتطوير، ولولا هذه الشبكة لربما ما تواصلنا! أليست هذه إيجابية رائعة.
* ما يثير فيك الوطن من هواجس شعرية؟
– الوطن هاجسي الرئيس في ظل استمرارية المنفى واللجوء، ففاقد الوطن كمن يمشي على الماء، أو على رمال متحركة، أو كمن يقفز في الفراغ، أو كمن ينام في العراء، اللاوطن هو اليتم في أكثر تجليات الألم والشعور بالوحدة والبرد والخوف واللاإستقرار، ولهذا قلت في قصيدة حديث في مورفين الوطن:
أن تكون شاعرا : أن تبني وطناً من ضجر الجمر وحمّى الكلمات.. وأن تكون شاعرا وغريبا أن تقاوم الانتحار بمورفين الكتابة.. وأن تكون شاعرا، وتعاني من شحّ في المورفين أن تبحث عن لغة ماكرة شبقيةٍ.. عن أدوات تعفيك من خياطة الرداء الأخير وأن تكون شاعرا وتقتل كل ما يوحى إليك أن تدمن الغناء على الأرصفة، أو تعشق امرأة عابثة كلما لمْلمْت نفسك بعثرتْكَ، أو أن تنتبذ مكانا قصياّ، ولا تضع حَملك، أو أن تصبح ناسكا تفتح في قمة رأسك نافذة لتطل عليك.. أو أن تصرخ حتى تخرج عيناك إلى حديقة الفناء أو تركض فوق طريق تجهله إلى جهة لا تعلمها أو أن ترمي اسمك من شرفة في الطابق العشرين وتتبعه، ويبقى يدور وأنت تدور وتسأله: اسمح لي يا صاحبي أن أكون مباشرا كالهزيمة، ماذا يعني بالضبط يا توأمي، أن تكون في وطن ما؟ أعني في وطن لك.. هل يتغيّر لفظي لحروفك، هل يتبدّل معناك؟ ماذا تشعر حين تُنادى؟ ما رائحة القهوة والشاي وطعم الماء ولون الأحلام وشكل الليل؟ ما معنى العشق السهر الصبح الظهر العصر الموت.. الشعر يعجز هذا الشعر أن يبني زاوية في بيت.. ويعجز كل السرد عن افتعال حادث بسيط جدا؛ كأن تدخل غرفة الإنعاش ليومين، ولا تخرج منها.. جرّحك الوهم كثيرا وآن لخيلك أن تصهل: لو كان الوطن لغةً لماتت غربتنا خذوا كل الشعر يا سادتي وامنحوني ساعة أطارد فيها فراشة في وطني ولا ألتقطها..
* كيف تنظر للساحة الثقافية ومدى تأثيرها على وعي المتلقي في المنطقة العربية ؟
– مرة أخرى، لا أستطيع الادعاء بالإحاطة بكل ما يكتب في الوطن العربي، ولا شك أن هناك شعراء كبارا وقديرين، ولكن حين نأتي إلى مسألة الوعي أخشى أن يحمل الحديث نزعة تشاؤمية، فإذا كانت كل التنظيرات الفكرية والثقافية التي ادعت التنوير والليبرالية لم تترك في ذهنية المتلقي العربي أثراً يذكر، إلا على صعيد الأفراد المهووسين بالتنظير، فماذا يمكن للشعر أن يفعله، وهو الذي يتطلب ثقافة نوعية، أخشى أن أقول أن الثقافة العربية بمكوناتها أنتجت (داعش)، إضافة إلى دواعش صغار في المؤسسات والاتحادات الوزرارات، يا صديقي، أشعر أحيانا أن في داخل كل منا ديكتاتورا يحتاج فقط إلى إزاحة ستار رقيق جدا، حتى ينشط، وكما قال الشاعر الكبير مظفر النواب، (قتلتنا الردة/ قتلتنا حتى أن الواحد منّا يحمل في الداخل ضدّه..)
* هل حققت تطلعاتك ، وماهي مشاريعك المستقبلية؟
– تطلعاتي الخاصة الشخصية ليست في الشعر أو في الرواية، إنها في العودة إلى فلسطين، هناك ينتهي الطموح ليبدأ الحلم، أما المشاريع الأدبية فهي اللعنة التي لا فكاك منها، ما أن أنتهي من قصيدة حتى أهجس بأخرى، وما أن أنتهي من رواية حتى يشتعل الذهن للبدء بأخرى، وهكذا.
* كلمةاخيرة ؟
– شكرا جزيلا لمبادرتكم وتواصلكم الراقي، فنحن في حاجة ماسة إلى أن نلقي التحية من وقت لآخر، وهذا الحوار هو تحية رقيقة منك إلي، ومني إليك وللقراء الأعزاء، وإن كل ما نحتاجه في هذا الزمن المأزوم هو الحوار بالكلام، وليس بالتفجيرات والمفخخات، الحوار الذي يمنحني مساحة لأحترم فيها رأيك وشكل علاقتك بالله، وتحترم فيها رأيي وشكل علاقتي بالله، وأهدي القراء هذه القصيدة بعنوان “تلة المعنى”:
وأنت صاعد إلى تلة المعنى خذ في طريقك المنحدرات القليلَ من شوك ركبتيك كلَّ البلاغة في قدميك هسيسَ امرأة تنأى عنك وتدنو إليك خذ في طريقك بعض خوفٍ من العلوّ كلَّ هواجس النمو والقِ السلام على صخرة تفجر من نهدِها الصلبِ ماءُ الحنان وخذ القليلَ من قُبَلِ البيلسان والقليلَ القليلَ من حكاية عاشقين يصعدان كل يوم تلة المعنى يعانقان الغروب ثم يبكيان.. وأنت هابطٌ لأرض الكلام أعد كل شيء أخذته في الصعود ونشوةً رسمتها على التل كالوعل أعد، نظرةً من العلوّ تضاءلت فيها خرافة النهر أعد السهل إلى حجمه الطبيعي والعطر إلى صبية ناضجة في غابة المانجو وأعد كل شخوص الرواية وادخل النص مثل خالق تأنى واصعد التل ثانية كالمغنّي المُغنّى وانزف الوقت، ما بين صاعدٍ إلى تلة الوهم وما بين هابطٍ إلى شهقة العتم حتى ترى خاتم النبوة المشتهاة على ظهرك الحاني فتمزج عتم الهبوط بوهم الصعود وتبقى على حافة المعنى هناك تجدل بالغيب وردة من سدرة منتهاك.

المصدر