صغيراً كُنْتُ أصحو مع شقشقة الفجر، تبعثُ فيّ تكبيراتُ العيد أسراب الفرح من أعشاشها، وصوت هسيس سعف النخيل يتبع خطوتي، وكانت ترافقها جوقة البلابل، فتلك البلابل كانت أكثر نشاطا من الدوري في صباحات أيامنا الطيبة. 

 

بخيمة خضراء شكّلتها أربع سعف طرية ظَّللتُ ضريح جدي، وارتدت القبور تباعاً أثوابها الخضراء، واضحاً كان الموتُ لا غموض في أسبابه،  وكان الحنين سُوَراً قِصار وحلوى التمر، وكنّا حول الضريح نلتقي باكراً ونتبادل التهاني بالعيد، ففي الزمن البسيط الجميل كان الضريح يجمع حوله الناس بالأمنيات الطيبة كي لا تفرقهم الحياة.  

 

أما اليوم فقد كثُرَ الموتُ ولفّه الغموض في عباءته، وارتفع الشوكُ حول النخلات عاليا، وجارحاً يغَيرُ في قدميّ الطفل الطريّتين كلّما سار حافياً في حلمه صوب بهجة العيد البعيدة. 

 

فزِعاً قفزتُ من حُلمٍ في صباح العيد على نداءات الغرقى المكتومة في بحر الهجرة من بلاد الموت العربي! 

كيف تبدّلت فينا الحياة، وصار الغرقُ دربنا للنجاة من احتمالات القتل التي اكتظّت بها الحياة  ؟ 

وأيّة فرقة تمزِّق أروحنا، نحن الذين انتصرنا على بشاعة الحدود وخلافات الساسة بحبّة التمر، وهاء الهويّة في القهوة المرّة والهال الطازج، فكانت نخلة على ضفاف دجلة تُظلّلُ الحمام في ساحات المسجد الأموي ؟ 

أصبحنا نختلف على ميقات صباح العيد،  ويقطّعنا نصل الفرقة المثلوم بالوهم الذي صنعناه ولبسناه حتى صارت اسباب الفرقة العديدة مكوّننا الصلب! 

وصار الموت يوزّع بالجملة على أجمل مدائننا: بغداد، دمشق، صنعاء، بيروت، عمّان، المدينة المنورة، تونس، طرابلس والقاهرة ! 

تلك مدائن اللغة الواحدة من زرع فيها فتيل القنبلة ليتشظّى فيها العيد الواحد الكبير إلى أعياد صغيرة لا بهجة فيها!  

 

للحقيقة، لستُ أدري إن كُنْتُ مبالغاً أم أن مشاهد القتل الدامي في تلك المدائن فقّست بوماً ينعق لغتي صباح هذا العيد، لكنني وددت أن أشارككم هاجساً يسكنني: أتذكّرُ الآن كيفَ كنّا في أعيادٍ بعيدة - نحن سكّان الأرض المحتلة - نتحلّق حول شاشة التلفاز فتبهجنا ضحكات الناس التي يبثّها التلفزيون الأردني  أو تلفزيون الشام - القنوات المتاحة حينها - في وقفة العيد أو في سهرات لياليه، كانت مشاهد الفرح تلك هي جناح خيالنا الوحيد للتحليق خارج تفاصيل أيامنا التي كبّلها الاحتلال بالعزلة الموحشة. 

لكنّ هذا العيد قد جاء ناقص الفرح صدّعته نشرة الأخبار بعناوين القتل الدامي والهجرة المستحيلة، ولكنني رغم ذلك قد تعلّقت بذاكرة حَرِيّة بالبهجة حين شاهدتُ صبياً يجرُّ خلفَهُ سعفَ النخيل في طريق المقبرة عندما صحوتُ فَزِعاً هذا الصباح، فما زال لنا في النخلة عادات خضرَاء تُبشّر بالفرح. 

ولذا سأستطيع التعلق بأمنيات البهجة،  فعيدٌ سعيد، وكل عام وانتم بخير .