صغاراً، كنا نستمع إلى أغنياتٍ ونحبّها ونرددها، فقط لأن أهلنا والمحيطين بنا يرددونها، ولأن غيرها من الخيارات لم يكن متاحاً.. ونحن هنا نتحدّث عن أيام كان ثمة إذاعةٌ رسمية فقط لا غير، تقرّر هي أيّ الأغنيات تبثّ على مسامعنا، وأيّها تحجب، بمعنى أنها هي المسؤولة عن ذائقتنا الفنية، وعن زرع صورة الفن في نفوسنا كما تراها هي- ومن خلفها القائمون عليها- الأنسب لتنشئة "الأجيال الطالعة".. 
فكنا نردد الأغنيات ونفرح بها ونطرب لها ونرقص على إيقاعاتها وندبك، ولاسيما أغنيات الراحلين صباح ووديع الصافي، ولم يكن يخطر لنا التدقيق في كلماتها، وإن فعلنا، فلم يكن ذهننا الفتيّ قادراً على فهم الكثير منها، ولا بالطبع على قراءة ما بين سطورها ونوتاتها.. كنا فقط نسمع ونغنّي وندبك ونفرح.. اليوم صرنا نسمع فنحلل، بل إننا لا نتردد في الغوص في ذاكرتنا، مستعيدين من الأغنيات ما كان يطربنا ويرقصنا، لنفرح به وبما له من موقع في ذاكرتنا، ولنحاول كذلك تفسير أو فهم ما كان فيه غامضاً بالنسبة إلينا، أو عصياً على فهمنا..
ومن هذه النماذج تستوقفني أغنيةٌ للشحرورة صباح، أشك في أنّ أحداً من اللبنانيين لا يحبّها أو يتأثر بها، ولا تحرّك مشاعره "الوطنية" وتستفز رغبته في الدبكة على لحنها الرائع وإيقاعها النابض، وهي أغنية "مرحبتين ومرحبتين" التي يقول مطلعها:
مرحبتين ومرحبتين               وينن هالدبّيكة وين؟
وين محمود وين معروف       وين الياس ووين حسين؟

كلماتٌ رشيقة، للشاعر الراحل ميشال طعمه، مرصوفةٌ بعفوية وعبقرية تندرج تحت توصيف "السهل الممتنع"، وتنساب في السمع بلا استئذان ودون الحاجة إلى التفكر بمعانيها أو التوقف عند مضمونها الذي يرمي- ببساطة- إلى تعزيز روح انتماء اللبنانيين إلى وطنهم لبنان، ويدعوهم إلى التكاتف وشبك اليد باليد، وهي رسالةٌ مشكورةٌ ومطلوبةٌ بالطبع، أيامذاك واليوم وكل يوم، وهي أيضاً من روائع اللوحات اللبنانية الفولكلورية التي تستثير الحماسة فعلاً، وتجود بها الشحرورة صوتاً قادراً وحنجرة غنيّة التلاوين.. لكن ما لفتني فيها هو إيراد أسماء "اللبنانيين" فيها، فهل انتبهتم إليها سابقاً أو توقفتم عندها؟ هذه الأسماء هي: محمود ومعروف والياس وحسين.. يا لهذا الذكاء لكاتب الأغنية، ويا لبراءتنا في تلك الأيام! هل تأملتم في هذه الأسماء؟ كل واحد منها يشير إلى طائفةٍ في لبنان!! 
لو أن هذه الكلمات نسجت خلال أو بعيد الحرب الأهلية اللبنانية، لأمكن اعتبارها نوعاً من النداء بالكلمة واللحن إلى المتقاتلين بكل أنواع الأسلحة للعودة إلى رشدهم واستعادة وحدتهم، ولأمكن التوقع أو التأمل بأن يصغي هؤلاء، أو على الأقل قادتهم وزعماؤهم، لصوت الشحرورة يدعوهم إلى التلاقي، لكن الواقع أن الشحرورة أدّت هذه الأغنية في سياق أحداث فيلم "أفراح الشباب"، مع الفنان الراحل فهد بلان، وكان ذلك في العام 1964، أي قبل 10 سنوات من بوادر حرب "الإخوة" بين اللبنانيين.. فهل كان الكاتب رؤوياً إلى هذه الدرجة؟ فسبق الزمن بعشر سنوات، منادياً كل "فئة" أو طائفة من أبناء الوطن المفترض أنه واحد، بالاسم الذي يرمز إليها؟ أم أن جمر تلك الحرب كان يستعر تحت رمادٍ سرعان ما هبّت رياح صانعو السياسة في المنطقة لتزيله عنه وتؤجج ناره؟ إذا كان القصد منها الدعوة إلى التكاتف والوحدة وإمساك اليد باليد، وإسناد الكتف إلى الكتف في حلقة الدبكة والفرح، ألم يكن الأجدى ‏أن ننادي اللبنانيين بكونهم جسداً واحداً، لا تمييز بينهم من أيّ نوع؟
 إذا سلّمنا جدلاً أن لا تأثير للفن في تقرير مسار حياة الأوطان، ولاسيما في المحطات المفصلية الكبرى، كالقرار بأن تندلع الحرب في لبنان وتستمر تحرقنا لسنوات (ولا نزال نعيش تداعياتها) فإن هذه الأغنية وشبيهاتها تؤكد صحة هذه المقولة، لأن كلماتها لم تعدُ كونها تأتي بلحنٍ يستنهض الهمم لعقد حلقة الدبكة، دون أثرٍ فاعل لرسالةٍ مفترضة لها.. 
وإذا سلّمنا أن للأغنية فعلها أو مساهمتها في توجيه الناس إلى المستقبل، فلنطرح اليوم السؤال: وين محمود وين معروف ووين الياس ووين حسين؟ لنرى أن كلّاً منهم لحق بركبه وتقوقع فيه، "ليشتبكوا" في صولات وجولات من الحروب، عوض أن يشبكوا الأيدي، و"ليدبكوها" حرباً درات رحاها لثلاثة عقود، بدل أن تكون حلقة دربكة للفرح والأمان والاستقرار.. 
هل من حاجةٍ لذكر أغنية أخرى للشحرورة، للفنان إيلي شويري، تقول كلماتها:
يا معمرجي عمّرلي بيت يكون فرجة.. وفوق العتبة كتبلي المالك: محمود ومعروف وجرجي"! 
وطنٌ يملكه محمود ومعروف وجرجي ويتقاسمونه، بل يتناتشونه!
.. كل دبكة وكل وطن وأنتم بخير.