يعد الإعلان عن رؤية السعودية ٢٠٣٠ محطة مهمة في تاريخ المملكة العربية السعودية لما تنطوي عليه هذه الرؤية من تطلعات واقعية كبيرة، ستضع المملكة في موقع القرار الاقتصادي المؤثر على مختلف الأصعدة حاليا ومستقبليا.

وتأتي أهمية هذه الرؤية ليس من حجم التحولات الاقتصادية ونوعيتها فحسب بقدر ما يتعلق الأمر بثقافة جديدة في التعامل مع قضايا عانى منها المجتمع وتكبد الكثير من الخسائر في المال والوقت والجهد بسبب عدم القدرة على مواجهة تلك المشكلات في حينها بل والقفز عليها أحيانا.

بقي المواطن يعيش داخل مثلث، أضلاعه، الممنوع والعيب والحرام. دون تحديد لهذا العيب والممنوع والحرام، فتجرأ كثيرون على سن العيب والممنوع والحرام دون أحقية ودون مرجعية، فتقولبت حياة الإنسان وفق هذا المثلث حتى أصبح لا يعترف بوجود التغيير ولا يراه إلا خطرا فرفض كل أشكال التغيير، واعتنقت بعض فئات المجتمع مقاومة كل مفاهيم التغيير حيث تم ربطها بالإساءة للأخلاق والقيم والهوية والدين رغم أن التغيير المعني يصب في مصلحة الهوية والقيم والأخلاق والدين.

ومع ميل جمهور الإعلام إلى التعميم والاختزال والوصم، أصبح الشعب السعودي في عرف الإعلام من أكثر الشعوب رمزية للتشدد ورفض التحديث، بسبب قوى مقاومة التغيير، حيث ساعد ذلك في رسم تلك الصورة مع ظهور منظمات متطرفة في أكثر من منطقة مأزومة في المنطقة والعالم بالتزامن مع موجات الإرهاب المتتالية التي تضرب في عدد من مناطق العالم.

رغم أن هذا الشعب في أغلبه ضحية من ضحايا الإعلام الذي يغذيه أولئك الذين يناصبون التغيير العداء ويلبسون آراءهم الشخصية البحتة لباسا دينيا تارة وقبعة الهوية تارة وقبعة القيم والأخلاق تارة أخرى. حيث وصل تأثيرهم إلى كافة مفاصل المجتمع وأطرافه ومكوناته، فيشيطنون كل قوى التغيير ويرمونهم بشتى التهم.

إن ‏أكثر المجتمعات استقرارا ونضجا هي المجتمعات التي تصالحت مع التغيير وجعلت منه وسيلة للاستقرار والنهوض والتنمية. لأن التغيير الخارج عن السيطرة يصل إلى درجة الزلازل إذا لم نتصالح معه ونفهم ضرورته ونتعامل معه ونستوعبه.

التغيير حتمية تاريخية، وطبيعة بشرية وأي محاولة لعرقلة التغيير ومقاومته مهما بدت ناجحة تلك المحاولات ولو شكليا، إلا أنها في الحقيقة تنطوي على مخاطر جمة، أقلها حرمان الجيل المعاصر من استحقاقاته في العيش بتوازن واتزان مع نفسه ومع من حوله، لكن الأسوأ هو أن هذه المحاولات تؤجل حل المشكلات المعاصرة وتقفز عليها مثلما أنها تجمد الكثير من الفرص وتحرم المجتمعات من التعايش مع إمكاناتها الفعلية وطاقاتها الحقيقية في الوقت المناسب.

أجيالٌ بأكملها يقضون حياتهم يدفعون ثمن إصلاحات كان يجب أن تتم قبل جيلهم ويرتهنون حياتهم لأحلام وطموحات أجيال مضت قبلهم وهذا هو ما جعل كثيرا من مشكلاتنا الحالية عصية على الحل لفترة طويلة.

إن أغلب التغييرات التي ينتظرها المواطن كنتيجة مباشرة لحزمة التغييرات الإصلاحية التي حملتها رؤية السعودية ٢٠٣٠، تأتي في وقتها، حيث ارتفع وعي المواطن بهذه الحتميات، ومن ناحية أخرى لم تعد مقاومتنا للتغيير تمسنا نحن فقط لكنها أضرت بدول ومجتمعات أخرى، حيث انتقلت أفكار بعضنا المتشددة بتأثيرها السلبي للأسف إلى الغير في ظروف عولمية أصبحت تسمح للانتقال والتأثير بكل سهولة..

من هنا تأتي أهمية الرؤية والتحولات التي حملتها أهدافها وعبرت عنها خطوطها العريضة.

باستمرار هناك أناسٌ ينشدون التغيير وآخرون يتهيبونه، وفئة ثالثة غير معنية بالأمر كثيراً وحينما يقع التغيير نكتشف أنّ من يتهيبونه هم أكثر حاجة له وأكثر تقبلا لنتائجه من غيرهم.

المصدر صحيفة عكاظ