المدن كالأشخاص، نكون على موعد معهم، فنبدأ برسم وتخيّل صور لهم، واستعراض أحداث ونقاشات متوقعة، سواءً توفر لنا معرفة مسبقة أو معلومات أو مواقف معروفة للانطلاق منها أم لا.

عندما تسمع باسم واحدة من مدن العالم، فإن أول ما يقفز إلى ذهنك إذا أردت زيارتها التساؤل عن مكانة وشهرة هذه المدينة، سواء أكانت هذه الشهرة نتاجاً لعوامل إيجابية، كاحتوائها مثلاً على معالم بارزة، تاريخية أو حديثة، أو استضافتها فعاليات كبرى كالبطولات الرياضية أو المؤتمرات الدولية، أو تميزها بطبيعة خلابة وطقس جميل، وصناعات ومنتجات معينة، أم كان مبعث تلك الشهرة عوامل سلبية مثل وقوع حادث كبير كالزلازل والبراكين والفيضانات أو الحروب وغيرها.

إذا كنت من جيلي، الذي أنهى عقده السادس، ووضع قدمه على عتبة ستينيات سني عمره، فإنك سوف تذهب إلى براغ وفي ذهنك ثلاثة ذكريات رئيسة. الأولى: صفقة الأسلحة التشيكية عام 1955، التي كسر بها الزعيم الخالد جمال عبد الناصر احتكار السلاح الغربي وأحدثت تحولاً جذرياً في منطقتنا خلال خمسينيات وستينيات القرن المنصرم.

والذكرى الثانية هي اجتياح قوات حلف وارسو براغ قبل 50 عاماً بالتمام والكمال لوأد ما عرف باسم "ربيع براغ"، حين استيقظ أهالي المدينة صباح يوم الأربعاء 21 آب (أغسطس) عام 1968، ليجدوا الدبابات السوفياتية في الشوارع. وكانت أيام وقف فيها العالم على أطراف أصابعه وهو يشهد أشد لحظات الاستقطاب والتوتر بين المعسكرين الشرقي والغربي خلال ما عرف بالحرب الباردة.

أما الذكرى الثالثة، التي قد تخطر على بال زائر براغ، فهي "الثورة المخملية" التي أنهت الحكم الشيوعي في عام 1989، وأدّت فيما بعد إلى طلاق سلمي بين شطري البلاد (تشيكوسلوفاكيا)، حيث حافظت براغ على مكانتها كعاصمة لجمهورية التشيك، في حين أصبحت براتيسلافا عاصمة سلوفاكيا. وانتقلت البلاد من المعسكر الشرقي (الشيوعي) سابقاً إلى الرأسمالية الغربية، لتصبح اليوم إحدى دول الاتحاد الأوروبي الموسع وعضواً في حلف الناتو. كما أصبح فاتستلاف هافل، أحد الأدباء الذين برزوا خلال "ربيع براغ"، أول رئيس لجمهورية التشيك. ومن أدباء تلك الحقبة أيضاً، ميلان كونديرا، صاحب رائعة "خفة الكائن التي لا تحتمل".

لكن ما أن تطأ قدماك أرض براغ حتى تبدأ في تلمس صورة أخرى لهذه المدينة الرائعة، التي تقوم على ضفتي نهر فلتافا، وتعد من أجمل مدن العالم.

ومهما وصفتُ وعدّدتُ المعالم المعماريةفي براغ، كالمباني التاريخية والقصور والقلاع والكنائس القديمة، والصروح الثقافية كالمسارح والمتاحف، والجسور والشوارع المرصوفة بالحصى، فإن من الإنصاف اختصار كل ذلك بالقول إن براغ عبارة عن "متحف مفتوح".

في الساحة الرئيسة في قلب المدينة القديمة، يتجمع السياح أمام ساعة براغ الفلكية للاستمتاع بالمشاهد الفريدة لدقاتها مع إطلالة تماثيل الحواريين من نوافذها العلوية. وتعد هذه الساعة إحدى أقدم ثلاث ساعات في العالم، وأقدم ساعة فلكية لا تزال تعمل حتى يومنا هذا. ويمكن أيضاً صعود برج الساعة مقابل رسم دخول لمشاهدة ميكانيكية عملها.

ولا بد لزائر براغ من عبور جسر تشارلز الشهير، الذي يصل بين شطري المدينة القديم والحديث، سيراً على الأقدام. وينتصب على جانبي الجسر التاريخي، الذي يعود بناؤه إلى القرن الرابع عشر، عدد من التماثيل، وينتشر على طوله باعة لمختلف السلع والتذكارات، في حين تؤدي فرق من الهواة بعض الرقصات التي يتحلق السياح لمشاهدتها على وقع الموسيقا.

وللمهتمين بشؤون الأدب، لا بد من زيارة متحف كافكا، الذي يعرض قصة حياة الكاتب التشيكي الشهير فرانز كافكا، أحد أبرز من أنجبت العاصمة براغ، على الرغم من أن معظم كتاباته كانت بالألمانية. وقد ظهر في الأدب مصطلح "الكافكاوية" الذي يرمز للكتابة الحداثية الحافلة بالسوداوية والعبثية. ويتضمن المتحف مجموعة منتقاة من الخطابات والمقتنيات والصور والمتعلقات الخاصة بـ"رائد الكتابة الكابوسية"، ويستعرض الزائر أعماله وإبداعاته على إيقاعات موسيقية هادئة.

حين تجوّلتُ في شارع رئيس مرصوف بالحجارة في براغ، عادت بي الذاكرة عشرات السنوات إلى الوراء، وصور مواطني براغ يقفون في مواجهة دبابات حلف وارسو، التي اجتاحت المدينة ودخلت البلاد عبر 20 موقعاً من كافة الاتجاهات.

كانت تشيكوسلوفاكيا عضواً في منظومة حلف وارسو. وفي يناير 1968، انتخب ألكساندر دوبتشيك زعيماً للحزب الشيوعي الحاكم، فقرر تغيير التوجه السياسي للبلاد، ونادى بـ"اشتراكية ذات وجه إنساني" وبالديمقراطية، وفتح الباب أمام حرية الصحافة وحرية التنقل وحرية الاقتصاد، وسط تشجيع من الغرب، الذي رأي في هذا التطور ثغرة ممكنة في جدار المعسكر الشرقي المعادي. وأطلق على الشهور السبعة التي شهدت تلك التحولات "ربيع براغ". لكن ذلك كان بمثابة "خط أحمر" للاتحاد السوفياتي، الذي رأى في ذلك تهديداً خطيراً للمنظومة الأمنية الشرقية، وخشي أن يفلت زمام الأمور وأن تنتقل "العدوى" إلى بقية دول الحلف، ما يعني الهزيمة في الصراع المذهبي الدائر بين المعسكرين في أوج ما سمي "الحرب الباردة".

صباح يوم الأربعاء 21 آب (أغسطس) 1968، وفي بداية العشر الأواخر من عطلتنا المدرسية الصيفية، وكنت حينها لم أكمل بعد اثنتي عشرة سنة، صحوت على خبر مهم يتناقله الكبار بقلق وإصغاء لنشرات الأخبار من أجهزة الراديو، إذ لم يكن التلفزيون معروفاً بعد، أو لم يكن منتشراً وشائعاً بصورة أدق.

في مجلس الرجال مساءً، جلست جانباً أستمع وأتابع باهتمام تعليقات الكبار، ومعظمها كان مؤيداً للاتحاد السوفياتي. قال أحدهم: "هل ظن دوبتشيك أن موسكو ستسمح بتوجهه نحو الغرب؟ لقد استدعاه الزعيم ليونيد بريجينيف للحوار، لكنه رفض التوجه إلى موسكو وأصر على موقفه". أجاب آخر: "الاتحاد السوفياتي يغامر بحرب عالمية ثالثة لا تبقي ولا تذر". رد رجل ثالث: "وهل تجرؤ أميركا على فعل شيء الآن؟ لقد غاصت الآن في وحل المستنقع الفيتنامي ويبدو أن لا خلاص لها قريباً". وبرز أحد "الرفاق" متباهياً: "أرأيتم مدى تفوّقنا؟! لقد حوّلنا شاشات الرادار في أوروبا إلى البياض طوال الليل، وفي الصباح فوجئت دول حلف الأطلسي أننا سيطرنا تماماً على الأوضاع!".

استمر النقاش، بين مؤيد ومؤيد، حتى دقت ساعة "بيج بن". حينها ساد الصمت وأصغى الجميع باهتمام، وجاء صوت المذيع يعلو ويخفت، لأن البث وقتها كان على الموجة القصيرة... هنا لندن، القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية. وإليكم نشرة الأخبار وآخر تطورات "الغزو السوفياتي".

لا أنسى تقريراً لمراسل الإذاعة خلال النشرة، باللغة الإنجليزية طبعاً، لكن المذيع كان يقرأه بلغة عربية مفخّمة. وقد رسخت كلمات التقرير في ذاكرتي لأنه تكرر في جميع النشرات في ذلك اليوم، حيث قال: "إنني أقف على ناصية أحد الشوارع في براغ، وأرى بأم عيني أرتال دبابات حلف وارسو تنتشر في أنحاء المدينة، ولو كنتم مكاني وتطلعتم إلى الأعلى لأمكنكم رؤية الجسر الجوي من الطائرات، الذي يمتد من القواعد الجوية للحلف على البحر الأسود إلى سماء براغ".

بعد أكثر من أربعين عاماً على ذلك الحدث، قيّض لي أن أقف في براغ، مكان الدبابة السوفياتية التي تصدرت صورها صفحات الجرائد اليومية، محاطة بالمواطنين التشيك الذين كانوا يحتجون سلمياً على الاجتياح، ثم تخيّلت المكان الذي وقف فيه مراسل الإذاعة.