لو أستطيع اختراع آلةٍ أو ابتكار تطبيقٍ يمكنه قراءة أفكاري وتحويلها مباشرةً إلى نصٍّ مسجلٍ بالصوت أو مكتوبٍ باليد، تماماً ‏‏كالذي أراه وأنا على حافة النعاس بين الغياب عن الكون والسباحة في مجاهله.. إذ تحضرني الأفكار ‏بصيغة ‏نصّ مكتوبٍ بدقّةٍ ووضوح، بدءاً من عنوانه العريض وصولاً إلى نقطة النهاية فيه، مروراً بأفكارٍ وصورٍ غير مسبوقة، مسكوبةٍ كالدرّ في موقعها السليم.. فأقرأ، وأنا سابحٌ في اللامكان، كلمات هذا النص بتشكيلاتها ‏اللغوية، وأتأثر ‏وأبتسم راضياً، قبل أن أذيّل الصفحة بتوقيعي، وأطويها لأضعها فوق أحد رفوف الذاكرة، على أمل أن ‏أسحبها- إذا ‏استيقظتُ في اليوم التالي- وأنفخ فيها الحياة.. 
ويحدث أن أستيقظ كل يوم، فأطال هذه الورقة ومثيلاتها، ‏أنفض عنها ‏غبار النوم، وأفك طيّات نعاسها، فإذا بالكلمات تنهار وتتساقط منها الواحدة تلو الأخرى، وتبدد أحرفها أشباحاً بلا شكل ‏ولا معنى، فيما أحاول جاهداً التقاطها دون جدوى، فأجمع بقاياها محاولاً- بالاستعانة بذاكرتي المثقلة بألف تعب- أن أعيد رصفها كما تراءت لي، وفي كل مرة، بالكاد أنجح في صياغة نصٍّ عاديّ، كالذي تقرأونه الآن..

بسام سامي ضو